نداء السماء لأهل الأرض، بل لكل الخلائق: أن حي على الفلاح، وصرخة المظلوم في وجه ظالمه، وإن لم يجهر بها تحرك بها لسان قلبه، فتشتد عزيمته ويقوى ويقوى حتى يستعصي على الكسر، وصرخة الأم في أولادها إذا ألحوا عليها في الطلب فلا تجد ما تقدمه، وصرخة الفرحة والتأييد كلما وقف زعيم سوداني يلوح بعصاه مبشراً بمستقبل أكثر إشراقاً بعد انفصال الجنوب!
ولكن بلهجة تجعلني أجفل إشفاقاً، لأنه يقلب الكاف إلى جيم مصرية ؛ فيصير للصرخة إيحاء يبعث على التشاؤم، كما أنها صرخة الخوف من الحسد مصحوبة بفرد الأصابع الخمس لليد اليمنى إذا وضعت سيدة مصرية مولوداً ذكراً ، أو إذا فاز شاب بوظيفة ، أو عاد آخر لأمه فر حاً بالنجاح، كما أنها صرخة الاستحسان عندما يحرز ميسي هدفاً لبرشلونة، كما أنها فرحة الأطفال في يوم عيد وهم يتزاحمون حول مكبرات الصوت في المساجد، وهي التي يدخل بها المسلم محراب الصلاة...
فيحرم عليه أي قول أو أي فعل إلا القرآن والذكر والحركة المخصوصة ، هي صرخة الحرية والانعتاق من التبعية والإمعية، واستصغار الطواغيت وتعاظمهم الكاذب، فالله أكبر من كل حاكم ومن كل طاغوت ومن كل جلاد ومستبد، ولكنهم (لغباوتهم) لا يدركون، ولو أدركوا لازداد بطشهم وتعسفهم؛ لذا قال أبو الأعلى المودودي رحمه الله: لو أدرك الحكام ما يقول المؤذن لرجموه بالحجارة!
هي صرخة الانتفاضة وشعارها منذ أن انطلق أول حجر فلسطيني نحو رأس الاحتلال حتى انكنس ، فلقد كانت تخلع قلوب الصهاينة المدججين بجاليلي أو الإم 16 ! فاتخذ رابين قراره بتكسير عظام العظام؛ محاولة منه لإسكاتها,, ولكن هيهات ؛ فهي وحي من الله ؛ هي صرخة الجندي عندما وثبت عزيمته، فاجتاز حاجز الخوف في كل الغزوات والسرايا والمعارك ، هي أنشودة النصر التي كتبها عبد الله شمس الدين الشاعر الناصري!!
وصاغها علي إسماعيل مارشاً عسكرياً عبأ بها المقاتلين بمعاني النصر، وزلزل قلوب الجيوش الثلاثة المعتدية على أرض مصر وأرض غزة سنة 1956 فقال: الله أكبر فوق كيد المعتدي* الله للمظلوم خير مؤيد* أنا بالسلاح وباليقين سأفتدي * بلدي ونور الحق يسطع من يدي * قولوا معي الله أكبر فوق كيد المعتدي * يا هذه الدنيا أطلي واسمعي * جيش الأعادي جاء يبغي مصرعي* بالحق سوف أرده وبمدفعي* فإذا فنيت فسوف أفنيه معي * قولوا معي الله الله الله أكبر* الله فوق المعتدي...
وللأسف، فإنها وأختها التي تكبرها بسبع سنوات (أخي جاوز الظالمون المدى) أدخلتا في غيبوبة قسرية؛ فلم تعودا توقظان ضمائر العرب، الله أكبر هي صرخة الجندي عندما وثب من غربي القناة إلى مشرقها في ملحمة بطولية ليس لها نظير ، فكان نصر أكتوبر العظيم عام 1973 الذي حرق قلب غولدا مائير وعجل لها بالفناء قهراً، حتى انبرى الإرهابي الأمريكي ليندون جونسون فأمدها بأسطول جوي، إلى جانب مغامرة آرئيل شارون ، فغرز سهماً مسموماً في خاصرة مصر الغربية فأحدث فيها ثغرة (الدفرسوار) وحاصر الجيش المصري الميداني الثالث، فسالت دماء فرحتنا بالنصر!
الله أكبر ترددها حفيدتي التي لا يزيد قاموسها عن بضع كلمات عندما ترى أحداً يصلي، فتقف بمحاذاته وقد وضعت (شيئاً) على رأسها، وترفع يديها ( الله أبل) وقد أدغمت الكاف في البا وقلبت الرا لاماً ، بما يثير عاصفة من السعادة، وتخرج المصلي عن صلاته!
ولا أشك في أن الله تعالى يفرح لهذا، ولا يؤاخذ العبد الذي خرج، وأرجو أن يكتب له في ذلك أجراً، الله أكبر كانت تضغط على أنفاس بن علي فمنع المصلي أن يجهر بها عبر مكبرات الصوت، كما منعها بالكلية سلفه مصطفى كمال أتاتورك، وعندما عادت إلى مسامع الأتراك بعد نحو من سبعين سنة ، خرجوا باكين فرحين أو فرحين باكين، وها هي تعود أغرودة نصر بعد زوال الطاغية بن علي ، فهل يتعظ سجانوها فيكسرون القيد عن معاصم منهجها الذي جاء بها ، من المؤكد – عندئذ – ستعود طيور محمود حسن إسماعيل في المساء، فتجد في قبة القدس الضياء.