لقد تابع المواطن التونسي والمواطن العربي أحداث تونس واطلعوا على بعض مخرجاتها (كسقوط حكم بن علي, وتشكيل حكومة وحدة وطنية عرجاء غير مستقرة, واطلعوا على اعتقال وزير الداخلية ومسؤول الحرس الرئاسي, وتابعوا مظاهر الانتقام الشعبي من قصور بن علي وآل الطرابلسي, ورحبوا بموقف الجيش وثمنوا دوره وقيادته, وشكلوا لجاناً شعبية لمواجهة أمن الرئاسة والأصابع الأجنبية.
لقد اطلع التونسي والعربي على هذا كله, وعلى ما هو أكثر منه مما يصعب عدّه وإحصاؤه, غير أن التونسي والعربي يده على قلبه يخشى من سرقة الثورة, وعرقلة مسيرتها نحو أهدافها الكبرى, والتوقف بها عند حدّ سقوط الطاغية دون الطغيان نفسه.
لقد شكل (المبزع- والغنوشي) إطاراً سياسياً من (رئاسة مؤقتة- وحكومة وحدة وطنية) لملء الفراغ, ولكن على قواعد عمل قديمة يصفها الشعب (بالطغيان والديكتاتورية), من خلال قولهم سقط الديكتاتور ولم تسقط الديكتاتورية, سقط الطاغية ولم يسقط الطغيان, سقط رئيس حزب التجمع الدستوري, وبقي الحزب الدستوري في الحكم.
لقد أحس الشعب التونسي أن سقوط بن علي ورحيله المفاجئ عن هرم السلطة وعن تونس يوحي بطبخة قذرة خلف الأبواب المغلقة وفي السفارات الكبرى تهدف إلى التضحية بالحاكم مع الإمساك بالحكم نفسه .
لقد استيقظت الساحة التونسية على حقيقتين:
الأولى تقول إنه ثمة معلومات متداولة في أوساط مطلعة تحكي تدخل (أميركياً- فرنسياً) لترتيب الأوضاع في تونس من خلال قيادات قديمة في الحزب وفي الجيش لاحتواء الثورة وتقليص تداعياتها.
والثانية تقول إن خطة واستراتيجية الاحتواء تبدأ بالإسراع بتشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسة محمد الغنوشي وتعاون رئيس الجيش معه للإسراع في حفظ الأمن واحتواء الشارع الغاضب وإطلاق حزمة من الوعود بالتغيير تدغدغ مشاعر الجماهير الغاضبة حول الحريات والانتخابات واستقالة المبزع والغنوشي من حزب التجمع الدستوري الحاكم.
يبدو أن الشعب التونسي قد أدرك لعبة (فرنسا- أميركا), فقرر أن يتصدى لها من خلال الجماهير ومواصلة التظاهر والمطالبة برحيل (الديكتاتورية, والطغيان) مع رحيل الديكتاتور والطاغية نفسه وهم يقصدون هنا رحيل حزب التجمع الدستوري ومن يبقى من سدنته في السلطة والإعلان عن حله, وتشكيل حكومة مؤقتة لا حكومة وحدة وطنية, وإعادة النظر في الدستور, وتعديل النظام إلى حكم برلماني نيابي, لأن النظام الرئاسي يصنع الديكتاتورية والطغيان.
إن الثورة الشعبية التونسية تواجه خطر سرقتها واحتوائها وإخماد بريقها, وإن قوى خارجية وداخلية وعربية تشارك في مؤامرة السرقة والاحتواء, مما يلزم اليقظة والحذر, وكثيرة هي الثورات الشعبية النظيفة التي تمكنت القوى الاستعمارية من سرقتها واحتوائها وإخماد بريقها.
الشعب التونسي – فيما يبدو- قد أدرك الأخطار وعزم على مواجهتها وتحديها بمواصلة خروجه إلى الشارع مطالباً برحيل الديكتاتورية وحفظ الثورة من السرقة, ومواصلة الضغط على حزب التجمع الدستوري للخروج من الحكم, وفتح الباب أمام جميع المبعدين والأحزاب الممنوعة من الشراكة في حكومة مؤقتة تعد لانتخابات نزيهة, فهل يتمكن الشعب من حماية ثورته من السرقة والاحتواء؟! أيام قليلة وتأتينا الإجابة اليقينية من تونس.