في كلمة له بثها التلفزيون الليبي أول أمس السبت قال الرئيس الليبي معمر القذافي إنه كان يتعين على التونسيين الانتظار لحين انتهاء ولاية الرئيس بن علي ، وأن "يتم التحول بالتي هي أحسن". وأضاف أنه "لا يوجد أحسن من الزين أبدا في هذه الفترة ، بل أتمناه ليس إلى عام 2014 ، بل أن يبقى إلى مدى الحياة" ، وبرر ذلك بالخوف على أبناء التونسيين ، وعلى "العائلات التي يمكن أن تداهَم وتذبح في غرف النوم ، والمواطن الذي يقتل في الشارع وكأنها الثورة البلشفية أو الثورة الأميركية".
من الطبيعي أن يحزن العقيد القذافي على صاحبه ، والسبب أن الأمر يتجاوز الحزن على "زميل عزيز" إلى مخاوف تبدو أكثر من طبيعية في ظل التقارب بين النموذجين ، ليس لجهة العمر الطويل في الحكم (العقيد هو الزعيم الأقدم عربيا هذه الأيام) ، وإنما لجهة العديد من الظروف الموضوعية المتشابهة بين الحالتين ، وهي ظروف تجعل ليبيا من أكثر الدول حاجة للتغيير ، مع وجود حالات أخرى كثيرة في العالم العربي تتقدمها الشقيقة الكبرى.
القاسم المشترك بين النموذجين هو غياب التنفيس الداخلي. صحيح أن في تونس أحزابا وبرلمانا ونقابات وانتخابات كثيرة ، لكنها مجرد ديكور خارجي ليس له أي وزن في سياق التنفيس ، إذ يفوز الحزب الحاكم دائما بجميع المقاعد (لأجل ذلك مُنحت المعارضة كوتا محددة) ، لكأن أعضاءه وقيادته قديسون لا يختلف الناس بشأنهم ، ولا تسأل عن مستويات القمع غير المسبوقة التي عاشتها البلاد طيلة 23 عاما من حكم الرئيس المخلوع.
في ليبيا ليس ثمة تنفيس ولا ما يحزنون ، اللهم سوى بعض تصريحات نجل الرئيس الذي يعد للخلافة (سيف الإسلام) ، وهي عموما لا تغير من واقع أن ليبيا تعيش نظام الحزب الواحد غير الموجود ، أي النخبة التي تمسك بالسلطة والثروة وتدعي أنها تنطق باسم الشعب ، وتمارس القمع بحق أي صوت معارض.
ثمة فارق كبير هنا يتعلق بالثروة ، ففي ليبيا ثروات ضخمة لا يجد لها المواطن صدىً حقيقيا في حياته اليومية ، بينما لا تتوفر تلك الثروة في الحالة التونسية ، وإن تحقق نمو اقتصادي عماده السياحة صبّ في صالح فئات معينة ، بينما أفقر المجموع العام من الناس.
في تونس قُمعت الحركة الإسلامية بشراسة منقطعة النظير ، وفي ليبيا وقع مثل ذلك ، الأمر الذي أفرز بعض تيارات السلفية الجهادية في الحالتين ، وهي التي وقع استيعابها في الفترة الأخيرة في ليبيا من خلال مراجعات داخل السجون.
الرضا الغربي وتجاوز سائر المساوىء في ميدان الحرية والتعددية الحقيقية هي سمة مشتركة في الحالتين ، مع أن الحالة التونسية كانت سباقة على هذا الصعيد ، فيما جاء رضا الغرب عن النظام الليبي بعد التنازلات التي قدمها خلال السنوات العشر الأخيرة من أجل الخروج من تهم دعم الإرهاب. والخلاصة أن النفاق الأمريكي والغربي وازدواجية المعايير حيال الحرية والديمقراطية يتجلى بوضوح في الحالتين.
ربما كان ثمة فرق ما لصالح تونس فيما يتصل بالوعي السياسي الشعبي ، لكن الشعب الليبي ليس قاصرا أيضا ، وهو قادر بدوره على إحداث التغيير ولو بعد حين ، لأن هذا الذي يسمعونه عن حكم الشعب لا يمر على عاقل ، وهذا العبث لا بد أن يتوقف بسواعد الناس لا بصدقات النظام.
يبقى الحنان المتعلق بالناس والعائلات ، وهنا يعلم العقيد تماما أن شغل البلطجة واستهداف الناس الأبرياء ليس من فعل الجماهير التونسية التي خرجت تدافع عن حريتها ، وإنما هو شغل بلطجية الحزب الحاكم ، وبالطبع من أجل فض الناس من حول الانتفاضة الشعبية ، وهي سياسة معروفة في العالم ، وتسمى سياسة المافيا ، حيث يُستخدم البلطجية وأصحاب السوابق ضد الناس الشرفاء الداعين للتغيير. ثم إن التغيير يستحق التضحيات ، وما قدمه الشعب التونسي من أجل حريته لم يكن كبيرا بأي حال ، ما يجعل ثورته ثورة بيضاء بحق ، وتستحق أن تسمى ثورة الياسمين.