مصر مطمئنة على المستقبل

نشر 10 يناير 2011 | 08:52

هذا عنوان مقال الدكتور عبد العاطي حامد رئيس تحرير مجلة الأهرام العربي، ونشر في العدد 719 بتاريخ أوائل يناير 2011. وزاوية عبد العاطي عنوانها: لوجه الحقيقة. ونحن نعيد قراءة المقال، ونستفيد ولنطمئن بدورنا ولا نحزن، ولنعلم أن وعد الحزب برفاهية الشعب حق، وأن البرامج وضعت على السكة والمحجة، وأن القطار يسير، وأن الأمور بخير، وأن الدنيا ربيع والجو بديع، وأن الرخاء يشمل الجميع، وأنه ما من حق يضيع.. وأنه انتهى زمن "البلابيع"، وعصابات "أبو سريع".. ولا تهديد لمياه النيل ولا سدود تقيمها "إسرائيل" ولا تهديد للوحدة الوطنية ولا جيوب فقر ولا..

 

وندخل في جو المقال على السريع: يتكلم عن ثلاثة رؤساء عايشهم الكاتب، وأنه "عانى من مرارات 67" وأنه "خاض عملية مراجعة للمفاهيم التي شدته إلى عصر ناصر" ثم -انتبه إلى المدخل الذي سبق، وكيف سيمتدح العهدين التاليين- يقول عن السادات: "كان الرجل قد نجح باقتدار في صناعة النصر العسكري الكبير73"

 

ثم يتكلم عن الرئيس مبارك، وهنا بيت القصيد، وأنه تسلم "مقاليد الحكم سنة81 في ظروف بالغة الصعوبة اقتصادياً وسياسياً". أي إنه أتم ثلاثين سنة بالتمام من الحكم.. كانت كفيلة لو كان ثم تخطيط وتنفيذ أن تجعل من مصر كوريا العرب الجنوبية أو سنغافورة العرب، أو يابان العرب، أو صين العرب، أو ما شئت من أوصاف. وأما الظروف بالغة الصعوبة فاعتذار مبطن عن عدم تحقيق شيء يذكر من نمو أو تطور اقتصادي..

 

نعود إلى المقال وإلى التطواف في معانيه ومبانيه ومغانيه، يقول: "واستناداً إلى الحقائق لا إلى الأوهام، والقراءات السياسية الحزبية أو الخاصة فإن مصر المعاصرة (معاصرة زمنية يعني يا بهوات لا تذهبوا بعيداً في معنى المعاصرة..!)، وهي (أي مصر طبعاً) على أعتاب العقد الثاني من الألفية الثالثة أفضل حالاً بمسافة واسعة عما كانت عليه ليس في خمسينيات أو ستينيات القرن الماضي، وإنما قياساً على ثمانينيات ذلك القرن". (يريد أن يقارن لا بالخمسينيات، الموغلة في التخلف وإنما بالثمانينيات الأقرب إلينا زمنياً والأكثر توغلاً في مسيرة التقدم، ليقنعنا بأننا إذا كنا تقدمنا عن الثمانينيات فما شأننا إذا قارنا بالخمسينيات؟).

 

المهم، يقول عبد العاطي عن مصر إنها "حققت تقدماً كبيراً يعتز به شعبها قبل قياداتها المسؤولة وإن المستقبل لأجيالها المعاصرة والمقبلة أكثر إشراقاً".

 

ويا أخ عبد المعطي أو عبد العاطي أو أبو المعاطي، ليس مهماً ترداد مثل هذه المعلقات والمطولات والمقامات والمنظومات "والمعلومات" المهم هل تلمس الناس ما تقولون أو أن كلامكم لا يسمعه إلا مرددوه ومروجوه، وأما الناس فلها موقف آخر يلخصه: "أسمع كلامك يعجبني، وأشوف الواقع أستعجب!".

 

وأنا أقرأ كل أسبوع عن تونس مقالاً كمقالك، وإن شئت أتحفتك بما قرأت هذا الأسبوع: واقرأ معي العنوان: "تقدير إسلامي لنجاحات بن علي" وأن الرئيس التونسي ارتقى ببلاده إلى موقع الريادة عربياً وإسلامياً (فات صاحب التصريح أن يقول: وعالمياً وكونياً..) وقال المصرح وهو مدير عام المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم! قال: "إن تونس اليوم هي مثال للدولة العربية والإسلامية المتقدمة في مجالات الحياة المختلفة.." (هل يعترف النظام بالإسلام أصلاً أنه دين سماوي ويصلح للحياة فلماذا تتهمونه بالتهمة التي يتبرأ هو منها!)

 

وأضاف الناطق (..) أنها تعد محل اعتزاز كل العرب والمسلمين لما حققته من نجاحات بالاعتماد على قدراتها الذاتية، وبفضل السياسة الحكيمة التي ينتهجها الرئيس بن علي.." (راجع الحوادث العدد 2827 بتاريخ 13/ 1/ 2011).

 

هل أواصل استعراض نجاحات تونس في مجال المرأة ومجال الخدمة الاجتماعية والمجالات كافة.. أم أكتفي بهذه العينة من المنجزات والشهادات وأعود إلى مصر، لكن قبل أن أعود دعنا نوجه أصابع الاتهام للشعب التونسي الجاحد الكفور وللشاب الذي أحرق نفسه من سوء الأحوال.. وأنه شعب أعمى مغمض البصر والعقل والبصيرة لا يرى كل هذه المنجزات والمعجزات!

 

والآن بعد لائحة الاتهام للشعب الذي لا يرى منجزات قيادته نعود إلى مقال أبي المعاطي أقصد عبد العاطي، وإن أحب الأخ نقلت له عن كل بلد مثل إنجاز تونس بل "أنجز" و"أعجز" أقصد أكثر إعجازاً، (يعني كلهم بيقولوا كده يا أخ عبد المعطي.. وإنك واحد من فرقة عربية أو جوقة تردد سمفونية محفوظة ليست مستقاة من الواقع المعاش، إنما من أحلام دخلت غرفة الإنعاش!)

 

نعود إلى أحلام مستغانمي عبد العاطي، يواصل سردها علينا من ذاكرته المخرومة يحدثنا عن اعتزاز الشعب المصري بالإنجازات التي تحققت..

 

هذا الشعب الذي يبحث عن أسطوانة الغاز من شمال البر المصري إلى جنوبه فلا يجدها وهو البلد المنتج للغاز.

 

أما "حكاية المسافة الواسعة" من الفارق بين الثمانينيات والآن، فلا أدري بأي مقياس يقيس السيد الكاتب المسافات؟ مصر لم تكن مدينة في ذلك الوقت، وهي الآن "غرقانة لشوشتها في الدين". كان عبد الناصر يعيش في مستوى معيشة الشعب (هذا ليس مديحاً) والرئيس الآن يعيش كملوك ألف ليلة.. والأوجه تتعدد لو جئنا نقارن.

 

وأما "أن المستقبل أكثر إشراقاً للأجيال المقبلة" فإن الإعلام المصري نفسه، والحكومي بالذات، لا يعطينا هذه الصورة الوردية.. فمن نصدق؟

 

أما الإعلام المعارض، فحدث ولا حرج عن حديثه عن الفساد والمفسدين بل إن روزاليوسف وهي أشد الموالين جعلت عنوان غلافها: "هؤلاء يساعدون الفساد" ووجهت أصابع الاتهام للقضاء.

 

وإلى جانب صورة عمر سليمان مدير المخابرات (والمرشح الرئاسي الأوفر حظاً بعد مبارك) قالت المجلة بالخط الكبير والبنط العريض: "كل الحق مع الدولة المصرية حين تختار القاضي من أوساط بعينها.. ليس في هذا تفرقة اجتماعية، لكي تضمن أن يكون القاضي غير قابل للإغواء..) ووجود صورة الأخ عمر إلى جانب الخبر يعني أن يتم ترشيحهم من قبل من علمت!

 

ثم يعرج المقال على من يشككون في مثل كلام الكاتب (زي كلامنا وزي حضرتنا يعني) يقول: "أعلم أن هناك من لا يعترف بهذه الحقيقة ويجادل كثيراً في صحتها. وهناك من يذهب بعيداً إلى حد القول إن مصر عادت إلى الوراء إلى ما قبل خمسينيات القرن الماضي، وإنها لا تعرف إلى أين تمضي". واتهم هؤلاء بـ"ترويج مناخ معاكس لما يجري على أرض الواقع، بهدف قلب الأوضاع رأساً على عقب".

 

وهذه اتهامات جوفاء ومصادرة لحق النقد وتخوين ودخول إلى نوايا الناس.. وإنه ليس مخلصاً لمصر إلا أبو المعاطي ومن تعاطى مثل قوله..

 

ثم دخل بنا في لعبة الأرقام ومعدلات النمو على طريقة الدكتور "فهمي فاهم" وأن نسبة النمو الاقتصادي 5,1 في المئة وانخفض التضخم من 18,3 في المئة إلى 11 في المئة ثم قال: "إن مستوى معيشة المصريين ارتفع بشدة (يقصد المدح لا تفهم العكس) وجودة الحياة أصبحت أفضل إلى حد كبير، وأن البلاد تنعم باستقرار سياسي مشهود". هل تذكرون مصطلحات الكاتب جورج حداد عن "السحيجة" بلغته الواضحة البلدية القحّة؟ إنها مناسبة لمقال عبد العاطي. وطمأننا في ختام مقاله بترداد مقولة الحزب الوطني: "علشان تطمن على مستقبل أولادك".

 

وللتدليل على أن المقال موزع كخطب الجمعة في أغلب العالم الثالث، اقرأ مقال كرم جبر في روزاليوسف: "عام قطف الثمار" الذي بدأه بداية قريبة من قريبه (في الحزب يعني): "ليس من قبيل الأحلام الوردية والشعارات البراقة، وأن 2011 عام انفراج الأزمات.. وأن هذه ليست وعوداً وإنما هي برامج.. وأن مستقبل البلاد آمن ومستقر، وأن الانتخابات الرئاسية ستكون أكثر تنافسية (هاها) (يعني إيه وهل ينافس الإنسان نفسه؟) ثم طلب منا أن نخلع النظارات السوداء.. (عدد يناير 2011 السنة 86 عمر (..))

 

وأقرأ لك من الإعلام المصري في الجهة الأخرى جريدة "العربي": "سيرك المؤتمر السابع.. العلاقة الحرام بين الصحافة القومية والحزب الوطني. أحمد عز الشخصية الأسوأ في 2010 (والحزب الوطني يراه الشخصية الألمع والأروع!)

 

وفي مقال على أكثر من نصف الصفحة الأخيرة جاء بعنوان: "غلط في البلد" لمحمد خير، وفي مقال لطارق حجي قارن بين عهد عبد الناصر وأولاده الذين درس الكاتب معهم في مدارس الحكومة. وختم حديث ذكرياته بقوله: تذكرت هذه النتف من الذكريات، وأنا أنظر لصحف اليوم فأجد أعضاء أسرة رئيس مهازلستان في أكثر من أربعين موضعاً في عشرة صحف مهازلستانية!!