موسم الحصاد المر

نشر 10 يناير 2011 | 08:50

الأرجح أن انفصال الجنوب السوداني سيكون الحلقة الأولى من حلقات الحصاد المر لمسلسل التراجع العربي أمام الولايات المتحدة منذ هجمات الحادي عشر من أيلول، وبشكل أكثر وضوحا من ملامح احتلال العراق في العام 2003، وفيما يمكن تحميل المسؤولية للنظام السوداني، إلا أن نصيب مصر لا يقل أهمية، بل ربما كان أكبر: تبعا لأهميتها ودورها في المحيط العربي والإقليمي.

 

تبدأ قصة الانفصال منذ سنوات طويلة، ربما منذ هجمات الحادي عشر من أيلول، حيث وقع ابتزاز النظام السوداني بملفات الإرهاب ورعايته تبعا لخروج أسامة بن لادن من السودان، إلى جانب عدد من رموز القاعدة تاليا (أعني قادة تنظيم الجهاد المصري)، فضلا عن التورط في محاولة اغتيال الرئيس المصري، وهنا لم يكن أمام رموز النظام سوى الشروع في تسجيل تراجعات متوالية أمام واشنطن، بدءا بوضع كل ما لديهم من ملفات حول المجموعات الإسلامية بين يدي الأجهزة الأميركية، ومرورا بفض الشراكة مع شيخهم الترابي، ما أدى إلى إضعاف النظام بشكل عام بسبب انحياز جزء كبير من قواعد الحركة الإسلامية للشيخ.

 

بعد ذلك تواصل الابتزاز، أولا من خلال الضغوط السياسية، وثانيا من خلال دعم التمرد العسكري، الأمر الذي أفضى إلى شعور القوم بالهزيمة، ولم يكن أمام رموز النظام الذين باعوا شيخهم وتناقضوا بالكامل مع قوى الشمال غير الخضوع للابتزاز، فكانت اتفاقات "نيفاشا" وما قبلها التي نصت، أولا على منح حركة التمرد كامل السلطة في الجنوب مع حصة معتبرة من الشمال، وثانيا على استفتاء حق تقرير المصير، الأمر الذي كانت نتيجته محسومة كما يعرف الجميع، وإن وقع تسويق اللعبة في حينه بالقول: إن الانفصال ليس محسوما، وأن ثمة خطوات ستتخذ من أجل جعل الوَحدة خيارا جاذبا.

 

لم تتوقف عملية ابتزاز النظام، ودائما بسبب أخطائه من جهة، وإصراره على التفرد بالحكم من جهة أخرى، فكانت قضية دارفور التي لم تنته فصولها بعد، ولا يعرف إن كانت ستفضي إلى انفصال جديد أم لا، مع أن احتمال الانفصال يظل واردا.

 

على أن النظام لم يكن المذنب الوحيد، فالتراجع كان سمة الوضع العربي برمته بقيادة الشقيقة الكبرى التي تراجعت أمام ضغوط الدمقرطة والإصلاح التي ابتدعها جورج بوش، ثم قايضها بالدفع من جيب القضايا الرئيسة، وفي مقدمتها العراق وفلسطين والسودان.

 

هكذا لم تقدم مصر أية مساهمة إيجابية في وقف تدحرج السودان نحو الانفصال رغم إدراك سائر العقلاء لحقيقة أن أمرا كهذا سيكون مصيبة على مصر أيضا، كما سيشكل سابقة في المنطقة قد تتلوها مصائب أخرى على ذات الصعيد. ذلك أن نشوء كيان متحالف مع الكيان الصهيوني في جنوب السودان سيضع الأمن القومي المصري في مهب الريح، وستكون مياه النيل هي العنوان، الأمر الذي بدأت ملامحه منذ شهور بحديث الدول التي تشترك مع مصر والسودان في مياه النهر عن إعادة النظر في حسبة توزيع الحصص.

 

كان بوسع مصر أن تكون سندا للسودان في معركتها لمواجهة الضغوط، لكن ذلك لم يحدث، بل ربما وقع العكس، الأمر الذي أفضى إلى النتيجة التي نحن بصددها، والتي لا تهدد وحدة ما تبقى من السودان بعد انفصال الجنوب فحسب، بل تهدد بشكل أكثر وضوحا الأمن القومي المصري.

 

لم تفلح الصحوة المتأخرة للنظام السوداني نفسه، وكذلك التحرك المصري في خلق أجواء أخرى تسمح ببقاء السودان موحدا، والأرجح أن انفصال الجنوب سيفتح الباب أمام مصائب جديدة في دارفور وسواها.

 

من الطبيعي أن يحسب بعض القوم هذه التجربة البائسة على الحركة الإسلامية، لكن واقع الحال لا زال يشير إلى أن شهوة السلطة تبدو أقوى من الأيديولوجيا في كثير من الأحيان، بل إن الشيخ الترابي الذي أخرج من السلطة بسبب اقتراحه نظاما تعدديا ضمن المرجعية الإسلامية حتى لو جاء الصادق المهدي رئيسا للوزراء، لم يلبث أن دفعته مناكفات السياسة إلى تبني سياسات خاطئة في دارفور بتحريضه على التمرد المسلح هناك.

 

هذا الواقع يؤكد أن الحرية ينبغي أن تسبق كل شيء كما ذهب الشيخ القرضاوي، وبالطبع حتى يتمكن المجتمع من بناء إجماع على مرجعيته الإسلامية من جهة، وعلى نظامه التعددي من جهة أخرى، الأمر الذي قد يستغرق وقتا قد يكون طويلا بعض الشيء، وقد يتطلب تضحيات كبيرة، تماما كما حصل في أوروبا التي جاءت فيها الديمقراطية والتعددية نتيجة مساومات وحروب أهلية طاحنة.

 

مؤسف هذا الذي يجري في السودان، وندعو الله ألا يكون محطة باتجاه مزيد من الشرذمة والتفتيت في المنطقة، فالأمة التي أفشلت الغزو الأميركي للعراق وأفغانستان لا ينبغي أن تستسلم لخيارات التفتيت والشرذمة الطائفية والعرقية الأكثر خطورة من الغزو والاحتلال.