كلمات خالدة كتبها شاب تونسي اسمه أبو القاسم الشابي، لا أظن أن تلميذا عربيا من المحيط إلى الخليج إلا وقد حفظها ، وضمّنها موضوعا في التعبير يتناول قصة الصراع بين قوى البغي وبين المناهضين لها، الباحثين عن حريتهم؛ المعادل الموضوعي للحياة .
ولا أظن أن معلما من المحيط إلى الخليج إلا وذكرها في معرض تربيته لتلاميذه على الرجولة والثبات والثورة ،ولا أظن أن خطيبا إلا ورددها بكل ما أوتي من قوة وحماسة على سمع مستمعيه مهما كان توجهه أو توجههم السياسي أو العقائدي وأيضا من المحيط إلى الخليج ، ذلك أن الإنسان العربي لا يخرج من حلقة ضيم إلا وتلتقطه حلقات ، ولقد أعطى ذلك الإنسان من دمائه ومهجة حياته الكثير، حتى استطاع أن يطرد الاستعمار من دياره من المحيط إلى الخليج ، من فرنسيين وإنجليز وطليان ، وأعطى ولاءه لقادة نضاله الذين أمسوا حكاما ، فاستهوتهم لعبة الحكم وإذا بهم طواغيت مفسدون، فأوقعوا على ظهر الإنسان من السياط والظلم ما لم يقع على ظهره من مستعمريه ، فظل يردد أبيات أبي القاسم الشابي، وسيظل يرددها ما بقي طاغوت مفسد يحكمه ..
إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بد لليل أن ينجلــــــي ولا بد للقيد أن ينكسر
إن الذي يجري على أرض تونس ( الخضراء ) ترجمه فعلية لما كتب أبو القاسم ( التونسي) ، بدأ بأن حرق شاب جسده - بصرف النظر عن اسمه وعن صوابية ما فعل أو خطئه ، وبصرف النظر عن كونه حلالا أم حراما - ولكنه السبب والدافع ، فإن الظلم والذل والهوان ، كانت أسبابا كافية لأن تدفعه ( في نظره ) أن يضع حدا لحياته التي لم تطق أن تعيش الهوان، ثم يتلوه جسد فآخر... حتى كان جسد أب لخمسة بنات بعضهن في الجامعة، وقد نيف على الخمسين ، وجد أن الحياة لا تساوي أن يعيشها طالما أنها مغمسة بالفاقة والذل؛ فشنق نفسه إذ لم يطق صبرا ، ولم يأخذ بنصيحة من قال:
يا نفس كوني على بلواك صابرة وإن لم تكوني فهذا الحبل وانشنق
فانشنق وهو يرى بلاده تغرق في الفساد، فقد جاء ترتيبها الـ 105 في معيار الشفافية الدولي، ولم يأت بعدها إلا دولتان ، إذن فالمفسدون في الأرض أذاقوا الويلات لهذا العربي ، الذي يرى مثيله في أقطار الدنيا منعما بخيرات بلاده ، عزيزا في كنفها ، حرا فلا يستعبده أحد، فعاف الدنيا وعاف حياته ، وما قيمة حياة العبد الذليل الذي ينتظر لقمة عيشه من أيادي المحسنين ( أقصد المفسدين .. ) لعل ما يجري على أرض تونس يمثل الشرارة التي تحرق القيد عن معاصم الفلسطيني في الضفة الغربية التي يعربد فيها الطغاة من تلامذة الصهاينة وأزلام دايتون ، ولكن بلا انتحار ( بالحرق أو الشنق ) بل بمواجهة فعلية مع هؤلاء المجرمين الذين فرّطوا في الأرض وانتهكوا العرض ويساومون على المقدسات ، بعد أن يوقظ إرادته ويلتفت من حوله ليرى نهايات الطغاة التي وصف معين بسيسو قيودهم بأنها سلاسل من ورق في قصيدته الشهيرة :
سلاسل الغدر من ورق .. ستحترق
لم يبق إلا هبة وتحترق ..
تقول شعبنا انطلق
هي حتمية التاريخ التي وضعت نهاية لشاه إيران وفرانكو ، وشاوشيسكو وما أخبر عنه أبو القاسم الشابي حتى يقول :
ومن لا يحب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر..