قالت العرب:" المرء مخبأ تحت لسانه"، وقالوا "كلام المرء يفضحه" ، وقالوا "اللسان يغرف من القلب" ، وفلتات اللسان تنبئ بالحقيقة"، وحقيقة خطاب السيد محمود عباس في ذكرى الانطلاقة هو خطاب (الأزمة) الحقيقية ببعديها الداخلي والخارجي.
عباس تحدث عن فتن داخلية تعصف بفتح الثورة، وأكد الرجل أنه سيتصدى لها بقوة. الحديث عن الفتن ربما يشير إلى حالة محمد دحلان وفريقه. الجديد في كلام عباس أنه لأول مرة يتحدث عن حالة فتح من داخلها تحت عنوان (الفتن). الفتنة عنوان كبير ينذر بخطر كبير. العنوان مفتاح النص. والنص هنا (فتنة داخلية).
في البعد الخارجي للأزمة دخل إليها الخطاب من باب المفاوضات . العنوان كان (الفشل). والسبب عجز إدارة أوباما. إدارة أوباما بدأت بداية جادة بتكليف ميتشيل، وانتهت إلى لوم الطرفين عباس ونتنياهو وتحميلهما مسؤولية الفشل، وهو الأمر الذي تألم منه عباس على الهواء مباشرة.
خطاب (الأزمة) لا يقف عند التوجع من الموقف الأميركي في توزيع مسؤولية الفشل على الطرفين، وإنما يمتد إلى المستقبل حيث لا نور في آخر النفق ، وهنا قال: (الاستيطان يفرض خيارات أخرى لا يمكن التنبؤ بها). وهي عبارة تعبّر عن عجز حقيقي في (البدائل) عن المفاوضات. ولكي يتهرب عباس من مسؤولية العبارة وتفسيرات إسرائيل وأميركا لها ، قال في البديل (حلول كارثية ذات طابع ديني).
لست بحاجة لأن يفسر عباس ما يريده وما يقصده، ويكفينا هنا أن نصف الحالة فنقول إنه يعبر عن يأس وأزمة حقيقية. والبديل ليس مفيداً لإسرائيل ولا لأمريكا. وهذا هو جوهر أزمة عباس في إدارة المفاوضات والقيادة، وهو الذي وصف المفاوضات بأنها إدارة أزمة لا حل أزمة.
جل خطاب عباس كان عن الماضي، وأقله عن المستقبل، وحين تحدث عن تفاهمات مع أولمرت أعرب عن حسرة، فلقد أنجزنا – كما قال – ملف الأمن وقوات دولية وموافقة مصرية أردنية، واختلفنا في ملف الحدود، وعندما جاء نتنياهو لم يعترف بالتفاهمات، ورفضها.
وحين تحدث عن غزة وحماس عاد إلى لغته القديمة (الانقلاب الدموي) و(الميليشيات الظلامية)، و(الارتباطات الإقليمية)، وحتى لا يتهم بإغلاق باب المصالحة قال سنتابع الحوار ولكنه أبقى الألغام المعطلة على حالها في ملف الأمن حيث رفض الشراكة وأسماها محاصصة، ورفض سلاح المقاومة، وأسماه فوضى، وقال السلاح الشرعي واحد.
الخطاب حاول الخروج من (الأزمة) بتجريح حماس وتجريمها والتشدد في ملف الأمن هذا من ناحية، وبالطلب من مجلس الأمن أن يضع خطة سلام، وبالطلب من إسرائيل أن تقدم تصوراتها في ملف الأمن والحدود بشكل واضح. وهذه محاولة بائسة، لأنها تدور في حلقة مفرغة، ولا تحمل جديداً، فإسرائيل لن تقدم تصوراً يرضينا، ومجلس الأمن لن يضع خطة سلام بديلة، وتجريم حماس ونفض اليد من الشراكة إعلان عن نهاية سلبية لحوارات المصالحة، والظلامية التخويفية اسطوانة مشروخة.
خلاصة القول: الخطاب قول من الماضي، ولا يحمل جديداً، غير أنه يكشف عن حالة أزمة، ويأس من البدائل، والله أسأل أن يرحم شعبنا.