طل علينا عباس زكي عبر فضائية الـ (bbc) عربي ليجيب عن أسئلة حول دحلان ، فحاول الرجل – وللحق – أن يكون موضوعياً ، فبدأ حديثه بما معناه : إن دحلان قد صدر بحقه قرار بتعليق اشتراكه في جلسات اللجنة المركزية وليس عضويتها ، فتعليق عضويته يتطلب إدانته بالتهم الموجهة إليه من قبل اللجنة التي شكلها محمود عباس ، ولم تباشر عملها منذ مدة طويلة ، لما اعترضها من إرجاءات وتسويفات ، وأكد عباس زكي على أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته ، ولم يفصح عن التهم ( تلك ) ولكن صرحت بها الـ (مونت كارلو ) فقالت : هي الفساد ، والثراء الفاحش ، وعمل جيوب تابعة له في حركة فتح ، ودوره في إخراج السلطة من غزة، وتواترت الأخبار على أن السبب في تفعيل دور اللجنة يعود إلى أن ( دحلان ) قد تفوه بكلمات في لقاء فتحاوي يؤكد فيها أن أبناء محمود عباس فاسدون مالياً ، وأنهم قد حققوا ثراء فاحشا بطرق غير مشروعة، وكأن دحلان – وكما قالت العرب – قد غمز في قناة عباس ، وهذا يستدعي عددا من الوقفات :
الأولى : إن دحلان كان من أقرب المقربين لعبد العزيز شاهين ، ثم لعرفات ، حتى وصل إلى أن يكون عضوا في الوفد الذي يفاوض (إسرائيل) على القضية، ولم يكن قد أتم من عمره الثانية والثلاثين سنة ، كما لم يكن قد تحصل على أية شهادة جامعية ، ومن المعلوم أن من كانت هذه مؤهلاته لا يرتقي إلى مفاوض على القضية إلا بمؤهلات أخرى يأتي في مقدمتها أنه رأس من رؤوس مراكز القوى التي عصفت بالثورة الفلسطينية ومزقتها أيدي سبأ ، كما أن مركزاً منها لن يكون له وجود أو ظهور إلا بدعم القوى الخفية التي تدير الساحة الفلسطينية خاصة والساحة العربية عامة ،كما لو كانوا أحجاراً على رقعة شطرنج ( حسب تعبير الأدميرال غاي كار ) وحسب ما أظهرته وتظهره - تباعا - وثائق ويكيليكس .
الثانية : إن محمد دحلان كان من أبرز الشخصيات إن لم يكن الشخصية الوحيدة التي استقوى بها عباس في مشروعه لإسقاط نتائج الانتخابات 2006، واعتمد عليه اعتماداً كبيراً في إحداث الفلتان الأمني ، والتمرد العسكري على الحكومة الفلسطينية التي شكلتها حماس ، وعدم الانصياع لوزير داخليتها سعيد صيام ، وكان دحلان صاحب الصوت الأعلى والسوط الأنكى ، وكانت تل الهوا حيث موقع (الأمن الوقائي) الذي يرأس دحلان رئيسه رشيد أبو شباك من أعتى المواقع ، وأكثرها دموية وغرورا وتمردا ، وبرضا كامل من عباس ودعم منه ، بل وقف عباس ليدافع عن دحلان في اجتماعه الشهير مع فتح وقيادتها أواسط 2006 واستهزأ من قيادة حماس التي اتهمت دحلان بالتآمر على حكومتها ، ويومها أعلن عباس عن نيته إجراء استفتاء على وثيقة الأسرى يفضي إلى إجراء انتخابات مبكرة فهب كل من دحلان والطيب عبد الرحيم يصفقان ( وقوفا ) دون الحضور جميعا .
الثالثة: يعلم عباس علم اليقين بالثراء الفاحش الذي صار عليه دحلان منذ الأشهر الأولى لمجيء السلطة 94، وتسلطه على وكالات الحصمة والرمل والدخان والسيارات .. بل مشاركته لبائع الفجل فيما يتحصل عليه وعلى رأي بيرم التونسي في قصيدته الشهيرة في المجلس البلدي إلى أن يقول :
كأن أمي أبل الله تربتها أوصت فقالت : أخوك المجلس البلدي
وكان نظام الخاوات والايتاوات والرشاوي التي فرضها دحلان حتى على صغار التجار تفوق قدرات المليونيرات، وإلا فالسجن والملاحقة والابتزاز والمصادرة ووقف الحال ، وهذا تحت نظر عباس وسمعه، ولم يحرك عباس ساكنا .
الرابعة : كل المؤشرات أشارت إلى أن تصفية كل من موسى عرفات وهشام مكي وخليل الزبن وطلال أبو زيد كان وراءها جهاز الأمن الوقائي يوم أن كان يرأسه دحلان ، كما أن كثيرا من الاتهامات تتوجه لدحلان بالمشاركة الفعلية في قتل عرفات، ويعلم عباس ذلك ولم ينبس ببنت شفة ، ورغم ذلك اتخذ منه مستشارا للأمن القومي.
الخامسة : إضافة إلى ما سبق فإن دحلان كان سيد التسلط والاستبداد ومصادرة الحريات والتعذيب الرهيب الذي مارسه ضد رجالات حماس ومجاهديها...
وكل هذا يطرح سؤالا : لماذا لم يجر مع دحلان أي تحقيق منذ الأيام الأولى لهذه المسيرة الحافلة بكل ما يستحق التحقيق ؟ ولماذا اليوم ؟ ولماذا تأخر إجماع اللجنة المركزية الذي حدثنا عنه عباس زكي، والذي انعقد على تعليق حضور دحلان لاجتماعاتها ؟