جفعاتي يعترف

نشر 26 ديسمبر 2010 | 08:29

هآرتس صحيفة عبرية لا تنتمي لحماس. إنها صحيفة اليسار ويسار الوسط في (إسرائيل). الصحيفة ليست عضواً في مجموعة القاضي (جولدستون) اليهودي الذي يسكن في جنوب أفريقيا. وهي ليست من مؤسسات حقوق الإنسان الدولية. الصحيفة هي جزء من كيان السلطة الرابعة في دولة الاحتلال. الصحيفة قالت إن جندياً في لواء (جفعاتي) اعترف لها أنه قتل امرأة فلسطينية كانت تحمل راية بيضاء ووقف قرب جثتها إلى أن حضر الضابط ووبخه.

 

ما تقوله هآرتس ليس إلا وثيقة واحدة من مئات الوثائق التي يمتلكها الجيش، ويمتلكها الشعب الفلسطيني أيضاً. جولدستون لخص الأمر فقال: (إسرائيل) متهمة بجرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية. وهي منتهكة لقانون حقوق الإنسان، والقانون الإنساني الدولي. جولدستون اطلع على عشرات القصص المماثلة لاعترافات الجندي من لواء جفعاتي.

 

(الجندي قتل المرأة دفاعاً عن النفس). هكذا قال للضابط الذي وبخه بحسب المصدر. مفهوم الدفاع عن النفس هذا أود أن أرسله إلى السيد روبرت سيري الممثل الخاص للأمين العام بأن كي مون، بمناسبة وصفه عمليات الاغتيال الإسرائيلية من الجو بأنها دفاع عن النفس. منهج التفكير عند جفعاتي لا يختلف كثيراً عن منهج التفكير عند ممثل الأمم المتحدة على الأقل في بيانه الأخير. الطيران الإسرائيلي اغتال خمسة فلسطينيين دفاعاً عن النفس، ورجل جفعاتي قتل المرأة دفاعاً عن النفس. التهديد المضاد من الخمسة والمرأة غير مؤكد، وربما غير موجود، لكن الوجود الفلسطيني نفسه هو عدوان وتهديد لحياة الإسرائيلي.

 

بإمكان صحيفة هآرتس أن تنشر المزيد من اعترافات الضباط والجنود ممن شاركوا في الحرب الأخيرة على غزة دون أن تخشى من الإفادة العربية والفلسطينية منها. إنها بإمكانها أن تنشر وهي مطمئنة أنها لا تقدم معلومات للعدو، ولا تحرض على دولة (إسرائيل)، لأن العربي نائم والفلسطيني في غفوة، وحين يكون الطرف المستفيد نائماً أو غافياً فلا خطر وتبقى المسألة كيف تسهم هآرتس في الحفاظ على أخلاقية الجندي الإسرائيلي.

 

مؤسسات حقوق الإنسان الفلسطينية كالضمير والميزان كانت أقرب إلى اليقظة من رئيس السلطة، فقالت إن ما نشرته هآرتس يعدّ وثيقة اعتراف خطيرة تدين الجيش، وتدين السلطة السياسية، وهي وثيقة تثبت صحة القصص والرواية التي نشرتها مؤسسات حقوق الإنسان، وتعطي تقرير جولدستون مصداقية فيما ذهب إليه من إدانة للجيش الإسرائيلي.

 

لا توجد سلطة فلسطينية قادرة على الإفادة من هذه الاعترافات ومثيلاتها لإدانة (إسرائيل) ومحاصرتها في العالم، لأن (إسرائيل) تزعم أن سلطة عباس وفتح كانوا شركاء مع الجيش في المعركة الأخيرة على غزة بأشكال مختلفة، نشرت ويكيليكس بعضاً مما يثبت ذلك الأمر على الأقل من وجهة نظرها.

 

في ظل النوم العربي، والغفوة الفلسطينية، وانحياز أمريكا إلى (إسرائيل) فإن وثيقة الاعتراف هذه ستبقى جزءاً من التاريخ، وستدخل إلى الرف، وستنام هناك طويلاً، إلى أن يستيقظ النائم، ويتنبه الغافي لحقوقه ويمارس مسؤولياته.

 

وفي الختام أرجو من (ممثل الأمم المتحدة) أن يسجل اعترافات رجل جفعاتي هذه كوثيقة من وثائق الأمم المتحدة. يتقدم بها إليها ولي الدم الفلسطيني، نيابة عن سلطة عباس الغافية، ونيابة عن النظام العربي النائم، وأرجوه أن يتذكر دائماً تعريفاً دقيقاً لمفهوم (الدفاع عن النفس)؟!