ليلة الإبعاد

نشر 22 ديسمبر 2010 | 12:13

في تلك الليلة الشاتية شديدة البرودة زعق غراب البين بمكبرات الصوت على أسماء من المعتقلين في كيلي شيفع (المعتقل رقم7) في مجموعات و من مختلف (المردوانات)..

 

كان الأمر لافتاً للنظر.. من ينادى عليه يخرج بحقيبة ملابسه و أشيائه.. تقاطرت المجموعات.. الكل في ترقب وحيرة.. لا تسمع إلا أصوات الوداع الممزوجة بضربات الأكف على الظهور عند العناق.. أخذت عيون الأصحاب تذرف دموعها عندما أدرك الجميع: إنـــه الإبــعــــــــاد..

 

عشرات ثم عشرات.. وأصوات أجهزة المذياع تبث الخبر بالعبرية ..و أخذ سامي يترجم ..و للحقيقة كنت أرى في عينيه لوعة حقيقية ،رابين قد اتخذ القرار ، فتوجهت الحافلات فورا إلى كل السجون و المعتقلات لتقل أكبر عدد من شباب حماس و الجهاد لترمي بهم إلى مصير مجهول.. إلى لبنان.. كنا في الخيمة سبعة عشر (أخا).. ربطتنا جلسات القرآن و الذكر، ولأول (فترة) قد جمعت إدارة السجون ما بين معتقلي الضفة و غزة في (مردوان واحد)..

 

سمع فضل صالح اسمه ...وهو الداعية الذي تعرفه رام الله و قراها كما يعرفه بيت المقدس و أقصاه..كان رقيق الحاشية ، ذا شخصية تجميعية ، ينفر من عنف القول و العمل ، و صاحب صوت رخيم في التلاوة و خطيبا مفوها ، خرج منتصب القامة مبتسما بعد أن ودع الجميع و ودعوه بحب حقيقي، ثم حسن يوسف ثم تتالت الأسماء و لم يبق إلا اثنان ، و قد قاربت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل...

 

كنت خلالها أمسي إلى جانب سامي أنتظر دوري الذي لم يأت ، ووجدتني أتمتم : (يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيما) ..تذكرت الإمام حسن البنا ، سكنت صدري مشاعره عندما اعتقلوا إخوانه و أنصاره جميعا إلا هو فأخذ يطلب إليهم أن يأخذوه معهم فأبوا فأيقن أنه القتل ..و لكن بالنسبة لي فقد فسرها سامي : لأنك قد وقعت على الموافقة بالخروج (طوعا) للدراسة على ألا تعود إلا بعد سنتين ...شعرت باليتم ...

ذهب الذين أحبهم .::. و بقيت مثل السيف فردا

 

قال سامي : استصدرت ليئا من كبير قضاتهم أن يوقف السيل بقرار احترازي مستندة إلى أن رابين لم يحصل على إذن من (العليا) لإنفاذ قراره ...و فعلا قد كان و لكن بعد أن عبر إلى الأراضي اللبنانية 415 من إخواننا ، لم أستطع أن أقول : لعله خير إلا بعد أن امتص قلبي الصدمة بعد أيام ، كنت حزينا حزن ثكلى ،خاصة بعد أن علمت أن قيادة حماس / عبد الفتاح دخان ،محمد شمعة، عبد العزيز الرنتيسي ، عيسى النشار ، إبراهيم اليازوري ، حماد الحسنات..قد شملهم الإبعاد..

 

توجه من بقي إلى الله بالدعاء ...يارب ...يارب ، نسي المناضلون خلافاتهم ..أخذ شباب فتح و الشعبية يواسوننا كما لو كنا في مآتم ، و يبدو أن الشدائد تؤلف بين القلوب التي لم تتلوث بالحقد و إن اختلفت الرؤى ، لم يشعر الباقون من أبناء حماس بالشفقة عليهم من الآخرين ؛فالشفقة عذاب دونها عذاب الشماتة !! و لم يكن في تصورنا أن يخرج فريق من فتح ليطلب إلى (إسرائيل) أن تضرب حماس سنة 2007 (حسب ما نشرته ويكيليكس) فما الذي جرى لهؤلاء ؟!!!

 

كنا نشرد بأفكارنا :هل نجح رابين بضرب النواة الصلبة لحماس فبات مطمئنا حيث لن يقوم لها قائمة ؟ كانت أفكارنا تحطم جماجمنا ، ما بالها غزة و الضفة ؟! هل انتهت حماس فعلا؟؟؟

سرب أحد الطباخين جريدة عبرية ، قرأها سامي و ترجمها لي ..تفكيك خلية للقسام في الضفة على رأسها صالح العاروري و فيها أفراد من غزة ..من بينهم عماد عقل وسامي الهمص.. رسم هيكلية التنظيم.. كاد قلبي ينفطر مما يحتاج إلى كلام جديد...