الهروب إلى الوهم

نشر 19 ديسمبر 2010 | 08:35

هل فشل المفاوضات يمكن أن يفضي إلى مصالحة داخلية بين فتح وحماس؟ هذا سؤال يبحث في العلاقة الجذرية الجدلية بين الملفين (المصالحة والمفاوضات) . وهو أمر قد أجبنا عليه في مقالات سابقة . ويحسن أن نكرر هنا بعض ما قلناه بمناسبة حالة اليأس العربي والفلسطيني من الدور الأميركي.

 

لم تتخذ لجنة المتابعة العربية قراراً حاسماً, (ولم تضع السكين في المفصل, ولم نقطع العرق ولم تسيح دمه), وظلت في خانة المراوغة الدبلوماسية أسيرة عجزها من ناحية, وأسيرة التبعية للإدارة الأميركية من ناحية ثانية . ولم يتخذ عباس قراراً حاسماً رغم حالة اليأس والإحباط التي تعتريه ورغم تقدم العمر به ووقوفه حائراً لا يحرر جواباً شافياً عن الخطوة الثالثة.

 

إن الإجابة على السؤال المتقدم يقتضي من عباس أن يحرر إعلاناً بفشل المفاوضات, وأن يعيد الملف إلى الشعب وإلى قواه الحية, فإذا فعل ذلك – ولا أظنه سيفعل الآن- يمكن القول بأن المصالحة تصير قريبة وفي متناول اليد.

 

الفرضية التي قدمناها مبنية على دليل يقول إن إعلاناً واضحاً عن فشل خيار المفاوضات يعني اقتراب فتح وحماس معاً من الخيار البديل لها, ومن ثّم تلاشي نقطة أساسية من نقاط الخلاف تتعلق بالبرنامج السياسي واتفاقيات م ت ف مع (إسرائيل).

 

فشل المفاوضات لا يعني مجرد (إعلان سياسي), وإنما هو (موقف سياسي) يعني انتهاء المسير في طريق, والبدء في المسير في طريق آخر يجتمع فيه الصف الوطني كله . نحن بحاجة إلى هذا الإعلان أكثر من حاجتنا إلى الإجراءات المراوغة التي تذهب إلى الاتحاد الأوروبي أو روسيا لكي تأخذ دورها في التسوية.

 

إن الاتحاد الأوروبي لا يملك إرادة التقدم على الموقف الأميركي خطوة واحدة على المستوى العملي . الاتحاد الأوروبي ليس ضعيفاً أو عاجزاً ولكنه لا مصلحة له في منازعة الولايات المتحدة في ملف المفاوضات الذي هو ملفها بإقرار (إسرائيل) والعرب وفلسطين معاً.

 

قرار عباس بالذهاب إلى أوروبا لا جديد فيه, وهو هروب من القرار التاريخي الحاسم الذي يقطع (العرق ويسيح الدم) كما يقولون . الاتحاد الأوروبي يشجب الموقف الإسرائيلي من الاستيطان, ولكنه لن يعلن عن تأييده لقيام دولة فلسطينية من خلال مجلس الأمن إلا إذ سبقته أميركا إلى ذلك . والذهاب إليه بعد عشرين عاماً من المفاوضات عبث, أو هروب إلى الوهم.

 

عباس يذهب إلى أوروبا وروسيا لكي يهرب من الاستحقاق الواجب شعبياً وهو الإعلان المباشر عن فشل المفاوضات . وحل السلطة, وتحدي الإدارة الأميركية والذهاب إلى مجلس الأمن ومواجهة الفيتو, وهذه الحالة ستؤجل المصالحة الداخلية, لأن شركاء عباس في المفاوضات وهم (إسرائيل – وأميركا) يرفضون مصالحة داخلية تفضي إلى شراكة حقيقية بين فتح وحماس.

 

المصالحة والشراكة رد مناسب وصغير على الموقف الإسرائيلي الأميركي غير أن عباس مقيد اليدين, وأسير الطرفين فلا يقدر على اتخاذ قرار الشراكة, والأيسر عليه أن يعلن فشل المفاوضات وأن يسلم الملف لقيادة جديدة, وأن ينسحب من المسرح السياسي بضربة بطولية يذكرها الناس, و يتذكرونها.