مباحثات استطلاع موقف

نشر 17 ديسمبر 2010 | 02:40

لا أدري ماذا قال ميتشل في بيعة الشعب الفلسطيني لحماس في حفلها الحاشد في ذكرى انطلاقتها الثالثة والعشرين . ميتشل الرجل الناجح كما يصفه من يعرفه يقول عادة كلاماً واقعياً . ولكن لا أدري ماذا قال هنا, ولكني أدري أنه قال لمحمود عباس حين التقاه إنه لا مخرج من مأزق المفاوضات إلا بالقفز عن شرط تجميد الاستيطان لأن حكومة نتنياهو ترفض ذلك, وباراك أوباما ليس لديه إلا القبول بموقفها لأنه رجل لا يحب المغامرة بما تبقى من شعبيته, بعد أن حاول من بعيد فاحترقت أصابعه وفاز الجمهوريون بأغلبية مقاعد مجلس الشيوخ.

 

وأدري أن عباس سأله بعد أن هزّ رأسه بالموافقة على ما جاء في كلامه قائلاً وماذا تحمل لنا لكي نخرج معاً من المأزق؟! لم يقدم ميتشل جواباً جديداً, ولكنه, وبحسب نبيل شعث, رجع إلى الوراء وقال نجري محادثات لاستطلاع موقف محادثات متوازنة, وليست مفاوضات غير ملزمة, وغير مكتوبة, نقف من خلالها على آخر ما تفكر به القيادة الفلسطينية وآخر ما تفكر به القيادة الإسرائيلية, لكي نذيب عوامل الشك وانعدام الثقة.

 

أعطني آخر ما عندك في ملف القدس, وملف الحدود, وملف الأمن, وملف المستوطنات, وسائر الملفات . أعطني ما عندك واعتبره وديعة عندي! لكي تشجع (إسرائيل) أن تقول كلاماً نهائياً في الملفات نفسها . يقول ميتشل دعونا نجري مباحثات (استطلاع موقف)؟! أو مباحثات موازية . وتذكروا أن المباحثات معنا, وهي ليست مفاوضات معهم . بعد أن قاربنا على (عشرين سنة مفاوضات), وبعد أن أظلنا (زمن القدس) الذي بيناها في مقالات سابقة, وبعد أن فشلت أميركا في إقناع, أو إجبار (إسرائيل) على تجميد المستوطنات لفترة زمنية محددة, بعد هذا كله, وغيره أشد منه إيلاماً تقترح الإدارة الأميركية المبدعة مشروع مباحثات (استطلاع موقف)!

 

عباس فقد خياراته, ووضع القيود في يديه, وترك الشعب الفلسطيني ومؤسساته, وذهب يسكنه الإحباط, وقد تقدم به العمر, ولم يعد قادراً على انطلاقة جديدة من نقطة الصفر هي محادثات (استطلاع موقف) أو محادثات (موازية) هي الوجه الآخر لمفاوضات غير مباشرة مع بقاء الاستيطان على أشده خلال مباحثات الاستطلاع.

 

ذهب عباس خالي الوفاض, حاسر الرأس, إلى الرباعية العربية أو قل إلى لجنة المتابعة العربية التي اعتاد أن يحط بين يديها كلما أعلن الفشل عن نفسه لتجد له مخرجاً, أو لتبادل عودته إلى المفاوضات, غير أن اللجنة العربية ليست في حالة متقدمة على حالة عباس وبما يسكنها من عجز وإحباط . اللجنة اتخذت قراراً قالت فيه لا استئناف للمفاوضات حتى نتلقى عرضاً أميركياً جدياً, وهذا يعني أن ما جاء به ميتشل إلى عباس ليس جدياً ولا قيمة له . وليس كافياً للعودة إلى المفاوضات.

 

في العالم العربي المهتمون بالمفاوضات يسخرون من موقف عباس ومن مطلب لجنة المتابعة العربية , وكأن العجز الأميركي عن تحقيق العدالة لم يبلغهم . وكأن ثمة لدى أوباما أوراقاً ذات قيمة ما زال يمكنه اللعب فيها حتى ينتظروا منه موقفاً أو عرضاً جديداً جدياً . ما هذا الهزال؟! وما هذا التلاعب بالألفاظ؟!

 

(إسرائيل) متعنتة, وأميركا عاجزة, أو قل غير راغبة إن أحببت, والرسالة وصلت كل بيت في القارات الست, فليس لديها أكثر من دولة مؤقتة بمواصفات إسرائيلية, فإما القبول بها وبالسلام الاقتصادي, وإما الانتظار طويلاً على باب البيت الأبيض في واشنطن.

 

أعلم أن العمر يتقدم بعباس, وأن صبر الشعب نفد, وأن السيل بلغ الزبا وأنه لا يستطيع الانتظار, ولكن البحث يجري في أميركا في نقطة الصفر الأولى, فهل فهمت أو عقلت؟!