مضى يوم الانطلاقة وحمل معه رداً واضحاً على سؤال طرحناه في مقال سابق، هل ستحشد حماس نفس الجمهور الذي حشدته العام الماضي؟ هذه الجماهير التي حضرت أمس المهرجان أجابت عن السؤال بكل وضوح وأخرجتنا من جدلية شعبية حماس وارتفاعها وانخفاضها لأن من شاهد المهرجان يعرف بعين اليقين أن شعبية حماس إن لم تزد ، فإنها لم تتأثر وحافظت على شعبيتها رغم كل الحوادث والخطوب.
نقول هذا الكلام لأن من يستطيع أن يحافظ على مكانته فهو إنجاز، ولا نعتقد أن حماس وقفت دون تقدم، ولكنها تتقدم على كافة الصعد الجماهيرية والسياسية والاجتماعية والجهادية، وهناك حقيقة مهمة يجب أن نذكرها في هذا المقام أن من ينخرط في الحكم ويحتك بالناس ويطبق القانون تكون العلاقة معه ليست سوية وقد يؤدي ذلك إلى انخفاض شعبيته، ولكن حماس رغم كل ما صاحب حكمها حافظت على شعبيتها ومكانتها في المجتمع الفلسطيني، ولم تتآكل، ولكن ما السر في أن حماس تحتفظ بشعبيتها ومكانتها في الوسط الشعبي الفلسطيني؟.
نعتقد أن السر يكمن في الشعب الفلسطيني الذي يتوق إلى النظام، والى الإخلاص في القول والعمل، وإلى من يحمل همه ،ويحافظ على هويته وثوابته، ويدافع عن حقوقه، وينخرط معه ويحتك به كتفا بكتف ولا ينظر إليه من برج عاجي وبكبرياء واستعلاء، الشعب الفلسطيني وجد كل ذلك في حماس، وانعكس ذلك على تمسكه بحركة حماس والالتفاف حولها.
وفي هذه العجالة أود التعريج على الاحتفال وتسجيل بعض الملاحظات على جملة نقاط، ولعل أولها هو الشعار ( إنا باقون على العهد) هذا الاختيار الموفق للشعار لم يكن اختياراً عفوياً أو بلا معنى، بل هو اختيار تم وفق حسابات دقيقة لدى حماس، ويكفي حماس رفع هذا الشعار حتى تؤكد على ثباتها على ما أعلنته منذ انطلاقتها وحتى هذه اللحظة، وما أعلنه رئيس الوزراء إسماعيل هنية هو تأكيد على العهد الذي قطعته حماس وهو عهد الثوابت ، عهد الحقوق، عهد الأسرى، عهد الأرض كل الأرض، عهد الشهداء، عهد المقاومة والتحرير، عهد الوحدة والمصالحة والمضي قدما نحو تحقيق الحقوق الفلسطينية.
رمزية القدس كانت رمزية موفقه وفيها رسالة إلى العدو وإلى العرب وإلى العالم وعلى رأسه أمريكا أن القدس هي عاصمة فلسطين، وأن حماس لم تنس القدس وستعمل على تحريرها، فكانت القدس حاضرة في المشهد وحاضرة في السياسة وحاضرة في الذاكرة.
على صعيد المهرجان كان التنظيم أكثر من رائع ولا أبالغ إن قلت أن هذا التنظيم تعجز عنه دول، ولعل هذه المرة التي أقر فيها بالتنظيم المتقن، داخل المهرجان وخارجه وفي عملية الإخراج الفني سواء للإنشاد أو فقرة الطفلين التي شدت انتباه الجميع، ولم يخلُ الأمر من سلبية حرمان الجمهور البعيد من الاستماع إلى الكلمات والإنشاد بشكل واضح لسوء تقنية السماعات وسط الجمهور والتي نرجو أن لا تتكرر في المرات القادمة.
الحضور الكبير لوسائل الإعلام والتي نقلت الاحتفال على الهواء مباشرة إضافة إلى وسائل الإعلام الأخرى المسموعة والمكتوبة والصور الفوتوغرافية، هذا يعطي دلالة واضحة أن هناك مراقبة دقيقة للمهرجان، وهذا يؤكد على أهمية حركة حماس، وعلى اهتمام العالم بها وبما تقول، وأن حماس تحت المجهر، وهذا يزيد من المسؤولية على عاتق حماس.
وأختم بنقطة أخيرة وهي نقطة موفقة صنعتها حماس بشكل متقن وملعوب، وهو طريقة دخول رئيس الوزراء إسماعيل هنية من وسط الجمهور، حيث دخل من الناحية الشرقية أي أنه شق طريقه من بين الحشود الكبيرة مما ترك انطباعاً طيباً في نفوس الناس، وزاد خروجه من أحد أبواب المسجد الأقصى، وهذا حمل رسالة بليغة بأن الشعب الفلسطيني على موعد بفتح القدس.