يَرفع الغرب شعارَي الديمقراطية والتحمس لنشرهما في العالم العربي، وبالفعل فإن الولايات المتحدة في عهد الرئيس بوش قد وضعت نشر الديمقراطيَّة في العالم العربي على رأس الأولويات للسياسة الأمريكيَّة؛ مما أدَّى إلى صدامات بين واشنطن وبعض الدول العربيَّة، كما نشطت مقترحات ومبادرات الدول العربيَّة تارةً لإصلاح الجامعة العربية، وتارة أخرى لنشر الديمقراطيَّة في العالم العربي، وقد ثبت أن واشنطن كانت تريد إحراج الدول العربية، في الوقت التي تمتدح فيه الديمقراطية في الكيان الصهيوني.
ومن ناحيةٍ أخرى، فإن جماعة تل أبيب ظلَّت تتذرع بأن السلام غير ممكن مع العرب لافتقارهم إلى الديمقراطية.. على الجانب الآخر، كانت هزيمة 1967م في مصر سببًا إضافيًّا لتأجيل الديمقراطيَّة؛ لأن إزالة آثار العدوان تصدرت جدول أعمال الحكومة المصرية والدول العربيَّة الأخرى.. وقد ظلت الشعوب العربيَّة تعلي من شأن الديمقراطية الصهيونيَّة؛ لدرجة أن هناك تيارًا في الفكر العربي كان يرى -ولا يزال- أن الصراع بين العرب والصهاينَة هو صراع على أيهما أولى بالبقاء؛ بسبب نظامه الديمقراطي، وانتهى هذا التيار إلى نتيجة مؤدَّاها أن ديمقراطية النظم العربيَّة هي الحلّ لأزمتها مع الصهاينة؛ ولكن طرح هذه القضيَّة لم يكن واضحًا فيه العلاقة بين الديمقراطيَّة العربية والانتصار على إسرائيل.
بل إن البعض ذهب إلى أن نجاح الصهاينة سببه تمسكهم بدينهم، وهناك من يبالغ، وقال إن اليهودية أو المسيحيَّة ترشد أتباعها إلى طريق التقدم الصحيح، ما دامت الدول المتقدمة كلها إما يهودية أو مسيحية، وأن التحالف مرتبط ولصيق بالدول الإسلاميَّة؛ مما دفع التيار العلماني في العالم العربي إلى التأكيد أن الإسلام صنو التخلف، وأن غير الإسلام هو طريق التقدُّم.
ثم بدأت تتكشف أمور اختبرت كل هذه المقولات، وأوضحت حقيقة الأمر.. ظهرت دول إسلاميَّة تقدمت في جميع المجالات بالعلم والعمل والجهد مثل ماليزيا، وظهرت تركيا أشد رسوخًا في الديمقراطيَّة، وتحلّق في سماوات التقدم الاقتصادي، وتكاد تتمرَّد على الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فبدّدت أسطورة الربط بين الإسلام والديكتاتوريَّة، وبين الإسلام والتخلف، وأكدت أن التقدم والتخلف لا علاقة له بالدين، بل إن المسلمين أولى من غيرهم بالتقدم لو كان للدين دور في التقدم والتخلف.
فجوهر الصراع بين العرب والصهاينة هو المشروع السياسي الاستعماري الذي يقوده الكيان والانحياز الغربي لهذا المشروع.. والطريف أن الطروحات الصهيونية تُركِّز من حينٍ لآخر على أن الصراع هو جزءٌ من الصراع العالمي بين المسلمين وغير المسلمين في مجموعهم، كما أن هذه المقولة هدفها صرف الأذهان عن حقيقة المشروع الإحلالي الصهيوني الاستعماري.
ومما يُذكر أن الكيان كان قد أصرَّ على أن ديمقراطيَّة الفلسطينيين ستمكِّنهم من أن يكونوا شركاء معه في الديمقراطيَّة لصناعة السلام، وبالفعل جرت انتخابات نزيهة في فلسطين فازت فيها حماس، فبدأت الحرب على حماس؛ ليس فقط لأنها تمثل الشعب الفلسطيني المصرّ على حقوقه وتؤمن بالمقاومة، ولكن لأن الكيان يرى أن الفلسطينيين ليسوا مؤهلين للديمقراطية ما دامت فلسطين في نظرها أرضًا بلا شعب، فإذا كان هذا الشعب مؤهلًا فإنه يتمتع بالجدارة القانونيَّة والسياسيَّة للاستقرار في أرضه، حتى لا يستعمرها شعب يهودي ديمقراطي جينيًّا؛ كما تزعم الصهاينة ونظريتهم العنصرية.
والحق أن الدراسات المتواترة لظواهر العالم العربي وجوانب الصراع العربي الصهيوني أظهرت أن الصهاينة لا يريدون ديمقراطية في العالم العربي بعد أن أصبح إنشاء الديمقراطية هو المعادل لهزيمة الصهاينة معنويًّا وحضاريًّا.. وهم يذكرون أن النظم العسكريَّة كانت تبرِّر وجودها باستمرار الصراع الذي يتطلب قيادات عسكريَّة، ولكنها أدركت بعد ذلك أن الديمقراطيَّة تعني اختيار أفضل الكفاءات، وتغلب المصالح الوطنية على المصالح الخاصة؛ بحيث تصبح الديمقراطية هي المشروع القومي في العالم العربي، فينهي ذلك احتكار الكيان الصهيوني للديمقراطيَّة كورقة رابحة عند الغرب، مع فارق حاسم، وهو أن ديمقراطيَّة الصهاينة عندما تعلو فإنها تعزِّز أشد العناصر عنصرية ويمينية، وتسعى إلى طرد الفلسطينيين، وقد رأينا ما حدث في محرقة غزة كيف أن كل القوى السياسيَّة قبيل الانتخابات راهنت على أن حظوظها في الفوز، تتوقف على ارتكاب أكبر قدرٍ من المحارق ضد الشعب الفلسطيني، بعد أن قرَّر الصهاينة أن فلسطين لا تتسع لشعبين، وإنْ كانت تتشدق بنظرية حل الدولتين، وهي تعلم أنها تريد كل فلسطين وتبيد الشعب الفلسطيني، باعتباره هو الشعب الغاصب لهذه الأرض.. وهكذا اعتبر الصهاينة ديمقراطيَّة فلسطين ملهاة وسببًا في الوقيعة بين فتح وحماس حتى تخلو لها الساحة.
وقد ظهر اتجاه في الفكر العربي يرى أن الصهاينة والغرب لا يريدان ديمقراطيَّة حقَّة، وأن بعض النظم العربية قد رهنت بقاءها وسكوت الغرب على سلوكها مقابل المصالح الصهيونيَّة والغربيَّة.
ولكن تيار الديمقراطيَّة أصبح الآن أشد قوةً وإلحاحًا؛ طلبًا للكفاءة في أداء النظم، وتعظيمًا للموارد الوطنية، وانحيازًا للمصالح الوطنية الحقَّة، ولا شك أن هجمة المشروع الصهيوني على العالم العربي والاتجاه إلى تفتيته تجعل الديمقراطيَّة هي الأداة الأكثر نجاحًا كمشروع وطني يبقي الأوطان العربيَّة بين التفتيت الإقليمي والطائفي والعرقي، كما أن شيوع الديمقراطيَّة في كل الوطن العربي سيكون الطرف الأجدى إلى الوحدة العربيَّة تمامًا، كما فعلت أوروبا؛ ولذلك يجب العمل من أجل الديمقراطيَّة بالوعي والعلم، وفرز المصالح الوطنيَّة والتمسك بالحقوق في الدساتير العربيَّة، فلم يعد أمامنا سوى الخيار الديمقراطي لمواجهة هذا الأخطبوط، كما أن الديمقراطيَّة سوف ترغم الغرب على الانحياز لمصالحه مع العالم العربي.
لقد شقي العالم العربي بخلط الأوراق بين العروبة والأمن القومي وعبادة الفرد والشخصيات "الكارزميَّة" فضاعت المنطقة ومصالح شعوبها.. وأخيرًا نؤكد أن الديمقراطية من خلال انتخابات نزيهة تفرز ما يراه الشعب صالحًا لخدمة مصالحه هي حق للمواطن العربي، بعد أن صار الحق في الديمقراطيَّة من أهم مبادئ القانون الدولي، كما صار إنكار هذا الحق سببًا للإدانة الجنائيَّة الدوليَّة؛ ولذلك يجب على إسرائيل وأوروبا أن يستوعبا هذه الحقائق، فقد مضى زمن التواطؤ مع بعض النظم لنهب موارد الشعوب وإطلاق يد النظم في العبث بمصالح هذه الشعوب في ديمقراطيات هزليَّة.
أما السلام في فلسطين، فيجب أن يكون سلام الشعب الفلسطيني صاحب الحق في أرضه بعد أن أصرَّ الصهاينة على سلام صهيوني على حساب الشعب الفلسطيني، وبعد أن انكشفت ديمقراطيَّة الصهاينة المزيَّفَة العنصريَّة، مثلما انكشفت وسائل التحايل على حقوق الشعوب باسم الديمقراطيَّة الهزليَّة، والعامل الحاسم هو وعي المواطن واحترام خياراته كلها.