في ظلال السيرة

نشر 15 ديسمبر 2010 | 02:05

في كليات الشريعة يدرسون مادة اسمها فقه السيرة، وقرأت في هذا الكتب العديدة من كتب السيرة وفقهها، لعل أهمها ما كتبه الغزالي الراحل في كتابه فقه السيرة، أو في كلية الشريعة ما درسناه عند البوطي.

أقول هذا لأن هناك قصصا ومواقف مؤثرة جدا يقف أمامها المرء خاشعا، وسوف أحاول نقل بعضها من حين لآخر للقارئ كي يستمد منها روحا وريحانا.

أذكر في هذا ثلاث قصص، كما أذكر جيدا كتاب سامي النشار عن شهداء الإسلام في عصر النبوة، حين تحدث عن مصعب بن عمير الفتى الجميل المخملي الوسيم، وكيف انتهى في معركة أحد إلى قبر لا يغطيه الكفن فإذا غطوا ساقيه انكشف رأسه وإذا غطوا رأسه انكشفت ساقاه.

من هذه القصص الثلاث (الذين خُلِّفوا) وقد جاء سرد قصتهم في نهاية سورة التوبة، ولكن تفصيل الواقعة نقرؤها في سيرة ابن هشام المختصرة او ابن اسحاق المطولة.

وكذلك قصة بشير ابن أبيرق وسرقة الدرع واتهام اليهودي زيد بن السمين بسرقة الدرع من الأنصاري ونزول عشر آيات من سورة النساء في تبرئة ساحة اليهودي.

أما القصة التي سأرويها اليوم فهي ما كنت أشرحه لزوجتي ونحن في سفر فتأثرت هي وأنا قلت لها لا بد من إطلاعك على كامل الرواية.

وفعلا فتحت من جديد كتاب السيرة لأعرف ملابسات هذا الحدث، فبعد معركة هوازن وثقيف ووقوع كم كبير من السبايا والغنائم بين يدي المسلمين، رجال القبيلة يستعطفون النبي صلى الله عليه وسلم في ردهم، فخيرهم بين الأهل والمال، فاختاروا العائلات فردت لهم، وفي هذا الجو قام رسول الرحمة صلى الله عليه وسلم بتوزيع الكثير من الهدايا للمؤلفة قلوبهم، وبعضهم أخذوا اسم المائين أي أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم مئة من الإبل، مثل سفيان بن حرب، والأقرع بن حابس، وحكيم بن حزام، وسهيل بن عمرو، وعيينة بن حصن، وحويطب بن عبدالعزى، ومنهم من لم يرض مثل عباس بن مرداس وأنشد شعرا، فأرسل له الرسول صلى الله عليه وسلم من يقطع لسانه أي أن يزيد له في العطاء حتى يسكت فزيد له فسكت.

هنا تأثر بعض الأنصار وقالوا لقد وجد محمدا صلى الله عليه وسلم أهله وقومه؟

نقل هذا الكلام له سعد بن عبادة فأمر بجمع الأنصار وتحدث إليهم بموعظة بليغة وجلت منها القلوب وذرفت لها العيون، وكل تعليق عليها يشوهها فلأعرضها كما جاءت في كتاب السيرة.

(فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: يا معشر الأنصار ما قالة بلغتني عنكم، وجدة وجدتموها علي في أنفسكم؟.. ألم آتكم ضلالا فهداكم الله؟ وعالة فأغناكم الله؟ وأعداء فألف بين قلوبكم؟ قالوا بلى والله ورسوله أمنّ وأفضل.. ثم قال ألا تجيبوني يا معشر الأنصار. قالوا بماذا نجيبك يارسول الله؟ لله ورسوله المنّ والفضل.

قال صلى الله عليه وسلم أما والله إذا شئتم لقلتم فلصدَقتم وصُدِّقْتم: أتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآوينكم، وعائلا فآسيناك؟

أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم فيّ لُعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم، ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس شعبا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار! اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار! قال فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا برسول الله قسما وحظا..) مثل هذا الخطاب القصير المفعم بالمعنى الذي لا يملك المرء وهو يقرأه إلا أن يحبس دموعه أمام الحكمة والوفاء والتأثير فيمن حوله.

إنه يوزع كل شيء ولا يبقى لنفسه لشيء، وحين تطلب زوجاته التوسيع عليهن أيضا ينزل القرآن في تخييرهن بين حياة الشظف أو الاحتفاظ بالنبي صلى الله عليه وسلم، أو أخذهن المتاع الكثير والطلاق، فتختار الزوجات صحبة النبي مع الحياة القاسية وشظف العيش..

الله لاعيش إلا عيش الآخرة الله ارحم الأنصار والمهاجرة.