بنظرة خاطفة للانتخابات في الغرب ولمثلها في العالم الثالث يظهر الفرق الصارخ.. وإن وجد تشابه بينهما يتمثل في التزوير، ولكن في العالم الأول يبدو في الخداع الفاضح للناخب، فالأضواء والمهرجانات والخطب وحفلات الرقص و المناظرات و ما يتطلب ذلك من إنفاق يبلغ المليارات تجعل من الناخب أسيرًا لوعود وأحلام تفوق تصوره و تدغدغ عواطفه؛ فينقاد كمسلوب الإرادة أو المخدر نحو صندوق الانتخابات ليعطي صوته لذا و لذاك ، دون أن يدري أنها ليست لصالحه ولكن لصالح هوليوود مثلا أو للإيباك (أقوى جماعات الضغط اليهودية في أمريكا بل في العالم) أو لهذا الملياردير أو لتلك الشركة العملاقة..
وما أن تمضي سنة أو بعض السنة حتى يكتشف المواطن أنه في ذيل اهتمامات الرئيس، و لكن بعد أن وقعت الفأس في الرأس ، فيبدأ في عد الشهور و الأيام المتبقية من عمر رئاسته ، و التي لا يملك من التعبير عن مشاعره تجاهه إلا ما يبديه في الاستبانات التي دأبت مراكز الدراسات الاستراتيجية أن تجريها بين وقت وآخر للوقوف على اتجاهات الرأي ،و التي تظهر في الغالب هبوط شعبية الرئيس !!
وهو ماجرى لرؤساء أمريكا و آخرهم أوباما الذي ارتفعت شعبيته كالصاروخ مقابل هيلاري ثم يخر كالشهاب قبل أن يكمل السنة، وكما جرى لبلير، وديفيد كاميرون في بريطانيا التي رأى العالم كيف سقط أحد قادتها الأسطوريين في الحرب العالمية الثانية في أول انتخابات بعد نصره، فقد كان سقوط ونستون تشرشل مدويًا بعد أن نجح خصومه في إقناع الناخبين بأنه قد فشل في إنقاذ الاقتصاد البريطاني من كبوته، ونفس الدعاية هي التي نجح بها أفشل رؤساء أمريكا وأغباهم الصغير بوش في دورة أخرى في الحكم، وكذا بيل كلنتون الذي فشلت الدعاية تغطية عاره من الفضيحة التي لحقت به بسبب علاقته الفاجرة مع مونيكا ليفنسكي، ثم كذبه أمام القضاء ليصبح بعد ذلك مطية سهلة الانقياد لإسرائيل ،رغم أنه كان كذلك إلا أنهم طمعوا بالمزيد..
إلا أن الانتخابات لم تؤدِّ إلى حرب أهلية في أي بلد من العالم الأول ، و أقصى ما أفرزته هي مظاهرات (مطلبية) قد تصل إلى درجة من العنف ،و لكن سرعان ما تنتهي بعد التعامل معها أمنيا ثم برلمانيا فقضاء، كما جرى في عهد ساركوزي (فرنسا)و في عهد بلير ، وكاميرون في بريطانيا ، ولم يحدث أن يتشبث الرئيس بكرسيه لعشر سنين فضلا عن عشرين و ثلاثين أو أربعين ، وأقول الرئيس و ليس الملك ، كما يحدث في العالم الثالث و الذي يشهد – بلا استثناء- ما أن يستلم الرئيس الحكم – و في الغالب- من غير انتخاب و لكن بثورة حتى لا يتركه إلا للقبر ، وإذا ما أجرى انتخابات فإنه يعمد إلى الدستور ليغيره وفق مشيئته ليضمن بقاءه إلى يوم قيامته...
ثم إذا جاء يوم الانتخاب حتى تمتلئ الصناديق بأوراق معدة سلفًا ليفوز الرئيس و بطانته بـِ 99 و فاصلة على يمينها عدد لانهائي من التسعات و كل ذلك في المائة،و قد فاز أحد الرؤساء بمائة في المائة من أصوات الناخبين و هو ما لم يتحقق لله – جل في علاه –بين البشر ،و ما أن تظهر النتيجة حتى ينبري المنظرون و الإعلاميون و الدعاة و الخطباء يسبحون بحمد الزعيم الملهَم ،وحيد عصره ، وهكذا دورة بعد دورة ،وإلا فحروب أهلية تذهب بعشرات الآلاف من الأرواح البريئة ، وتدمر الاقتصاد و الأمن و الاستقرار ، و تمزق النسيج المجتمعي و تهد من قواه ،هو ما نراه في ساحل العاج و في الصومال و السودان مثلا...
وفي العالم العربي بلا استثناء ، و ليست انتخابات فلسطين عنا ببعيد و التي بدأت سليمة و عندما ظهرت النتائج على غير المتوقع من أبناء (أنف الناقة) حتى اشتعلت الحرب الأهلية التي مزقت المجتمع الفلسطيني على الصورة التي هي عليه ،و التي لم تنجح أية محاولة للمصالحة و جمع الشمل منذ وقعت،فلماذا؟؟؟؟ ألا يستحق ذلك من كل غيور و حر أن يراجع نفسه؟؟ أليست (إسرائيل) هي الفائز دوما في أي انتخابات في العالَمين الأول و الثالث؟؟و حتى لا نبتعد كثيرا ؛أليست هي الفائز دوما في انتخابات الوطن العربي ؟؟ وإلا فأين الانتخابات التي لم تكن في صالحها؟