لنا أن نتصور أن عباس قد نفذ وعيده بحل السلطة, وهذا – على الأقل في نظري – مستبعد جداً , فلن يقدم عباس على ذلك لما يلي:
أولاً: إن السلطة مشروع أمريكي إسرائيلي في المقام الأول, وليس مشروعاً فلسطينياً , وقد بذلت كل من أمريكا وإسرائيل المليارات لإسنادها.
ثانياً: لقد أثبتت السلطة كفاءتها في كسر شوكة المقاومة في الضفة الغربية ومطاردة مؤسساتها وهو ما لم تنجح فيه – أبداً – (إسرائيل) منذ الاحتلال 5/6/67 إلى أن تسلمت السلطة التسلط على الضفة وإدارتها.
ثالثاً: إن حل السلطة يعني عودة (إسرائيل) إلى تحمل المسؤولية القانونية مباشرة للضفة الغربية وهو عبء كبير تحملته السلطة عنها , وبالتالي فما جرى فيها من فساد وتخريب وحرمان وتجويع وملاحقات فإن (إسرائيل) براء من كل ذلك , والذي تتحمله السلطة أمام المؤسسات الدولية والعربية , فلن تعود إليه (إسرائيل).
رابعاً: إن حل السلطة يعني أن أجهزتها الأمنية قد فقدت شرعيتها ومرجعياتها إلا أن تكون (إسرائيل), وبالتالي فإنها تصبح كجيش لحد حقيقة لا مجازاً , الأمر الذي يجعلها في مرمى نيران المضطهدين والمظلومين من الشعب الفلسطيني مما يؤدي إلى حرب أهلية لن تتوقف آثارها على الشعب الفلسطيني بل ستعرض الوجود الاستيطاني برمته إلى الخطر, وقد يمتد إلى داخل الخط الأخضر وهو المؤكد , ولكن في مراحل تالية لن يطول انتظارها.
خامساً: إن حل السلطة سيطلق سراح المعتقلين في سجونها وهم من الحركات المقاومة والجهادية , فضلاً عن كسر القيد عن معاصم المجاهدين خارجها, الأمر الذي سيؤدي لا محالة إلى اشتعال المقاومة دون قيد فلسطيني (سلطوي).
سادساً: إن حل السلطة يحتم عودة الإدارة المدنية إلى الضفة بكل أعبائها وتبعاتها, الأمر الذي طالما عملت (إسرائيل) على التخلص منه لما يشكل عبئاً ثقيلاً على ميزانياتها وميزانها التجاري.
سابعاً: إن حل السلطة يجعل (إسرائيل) في حرج شديد أمام المؤسسات الدولية إذا استمرت في بناء المستوطنات ( التي لن تكون آمنة أبداً ) لأنها تبنى في أرض محتلة بخلاف ما تفعله في وجود السلطة التي تشكل صورة من صور السيادة على أرضها والإنسان, فتمعن فيها نهباً وسلباً ولا تتمكن إلا من الصراخ والعويل, بينما اليد شلاء لا تقوى على شيء إلا الاستسلام والتسليم من الاحتفاظ (بالخيارات) التي لا أثر لها ولا سند بل مجرد ثرثرة.
ثامناً: إن حل السلطة يلزم (إسرائيل) بتوفير فرص عمل للفلسطيني وعلاج وتعليم وأمن, الأمر الذي يكلفها الكثير من أطقم العمل والدوائر , والمال والأمن مما تمليه عليها اتفاقية جنيف الرابعة , وهو ما ترفضه (إسرائيل) بالكلية بعد أن تخلصت منه.
تاسعاً: إن حل السلطة سيؤدي إلى انتفاضة عارمة تقض مضاجع (إسرائيل), فغياب السلطة يجعلها وجهاً لوجه أمام الشعب الفلسطيني الذي لم يكبل أياديه بطش الاحتلال ولكن ظلم ذوي القربى وسلاسلهم الجهنمية , وهو ما تخشاه (إسرائيل) خشيتها من الغرق, خاصة وأن الطبيعة السكانية والجغرافية يجعل من تصدي (إسرائيل) لها أمراً أشبه بالمستحيل.
عاشراً: إن عباس وفريقه يمثلان (رسمياً) الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني وبغطاء عربي, وهو الذي أعطى وأعطى وتنازل وتنازل , مما يعتبر مكسباً إسرائيلياً ( عظيماً) من الوجهة الرسمية , ولكن بنك المطالب الإسرائيلية لم ينضب, فهناك المزيد والمزيد من مثل الاعتراف بيهودية الدولة, وشطب حق العودة, والمياه, والأسرى, والأمن, فكلها قضايا عالقة, لا بد لإسرائيل أن تحقق فيها نصراً, ولن يتحقق لها ذلك إلا ببقاء السلطة وعلى رأسها عباس باعتباره الرئيس الشرعي ( أمريكياً وإسرائيلياً وعربياً, وأقول : ودولياً ) بغض النظر عن أنه غير شرعي أو انتهت ولايته في نظر الدستور الفلسطيني , وأمام فصائل المقاومة وفي طليعتها حماس, فإذا ما حلت السلطة فمن ذا الذي ستحرز عليه حماس آخر انتصاراتها في القضايا العالقة ؟؟
على ضوء ذلك فلن يستطيع عباس أن يحل السلطة , وسيمضي بها إلى أن تحقق (إسرائيل) من خلالها ما تريد, هذا إذا لم تستيقظ م.ت.ف ولا المقاومة ولا الشعب الفلسطيني بعمومه للأمر قبل فوات الأوان.