(لا استفتاء على الثوابت), و(لا استفتاء في العقائد) . وما قاله إسماعيل هنية رئيس الوزراء لا يخرج عن مرجعية (الفتوى), ولا عن مرجعية (الثوابت الوطنية) . وقد تنبهت القدس العربي في عددها الخميس 2/12/2010 إلى ما يمكن تسميته (بالاجتزاء المخل) في الخبر الذي وزعته وكالات الأنباء, وهي عادة معروفة في تناول الوكالات لأخبار حماس وحكومتها لأسباب معروفة.
لم يكن الحديث عن (الاستفتاء) جزءاً من المحاور الثمانية التي تحدث حولها هنية للإعلام الأجنبي, وإنما جاء في ثنايا إجابته على سؤال افتراضي مجادل لأحد الصحفيين الأجانب حول (حل الدولتين) وموقف حماس إذا ما نجحت مفاوضات التسوية . وهنا أكد رئيس الوزراء أن حل الدولتين وَهْمٌ, وأنه كلام نظري, ولا وجود له على أرض الواقع . وقال إن برنامج الحكومة السياسي هو برنامج وثيقة الوفاق الوطني التي وقعتها الفصائل مجتمعة, وفيها حديث عن الاستفتاء حال التوصل إلى اتفاق تسوية, والاستفتاء يجب أن يشارك فيه الفلسطينيون جميعاً في الداخل وفي الخارج.
إن إجابة السيد إسماعيل هنية لا يجدر أخذها منفصلة عما قاله في محور المفاوضات حيث جاء فيه ما نصه (إسرائيل دمرت أوسلو وألغتها, والسلطة أكذوبة باعتراف عباس نفسه, وعباس يعاني من اليأس والإحباط, والأنظمة العربية فشلت في إقناع (إسرائيل) بالانسحاب والسلام, و(إسرائيل) تريد الأرض والأمن والسلام وهذا غير ممكن . وأميركا لا تملك إرادة الضغط على (إسرائيل), وأميركا والغرب تديرون أزمة ولا تبحث عن الحل, وقلنا لعباس لا مفاوضات بدون مقاومة, والمقاومة حق الشعب المحتل بالقانون الدولي, و(إسرائيل) تريد أن نستسلم, ونحن لن نستسلم ولن نرفع الراية البيضاء).
في هذا السياق جاء حديث هنية عن الاستفتاء في إطار قناعته أن المفاوضات فشلت ولا مجال للاتفاق فيها على شيء يرضي الشعب الفلسطيني, وفي إطار قناعة راسخة أن الشعب الفلسطيني يرفض التنازل عن ثوابته وحقه في العودة إلى دياره وممتلكاته, وأنه ثمة غالبية كاسحة في الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج ترفض مشروع عباس وفريقه وتتمسك بثوابت القضية . وليس في كلام هنية مفاجأة لأحد, فهو يكرر موقفاً دبلوماسياً قاله الشيخ أحمد ياسين رحمه الله, وقاله خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس.
ولا ثقة للأخ إسماعيل هنية في أداء سلطة رام الله كما ذهبت القدس العربي وانعدام الثقة بينهما ينبع من رفضه لأسلوب وخيار التفاوض وقمع المقاومة والتنازلات عن الحقوق الفلسطينية , ومن المؤكد أن التباينات في الموقف بين مشروع حماس ومشروع عباس ستبقى قائمة وفارقة مهما كانت لغة الخطاب السياسي مرنة أو مراعية للمقام وواقع الحال.
الحديث عن الاستفتاء كان عابراً ولا يحمل أي رسالة للحوار مع أميركا وغيرها, لأننا نعلم أن أميركا لن تحاور حماس طالما تمسكت حماس بخيار المقاومة والتحرير, لذا لا يجدر بنا تضخيم الأمور وتحميلها فوق ما تحتمل, ويبدو أن موشيه يعالون كان دقيقاً حين قال: (تصريحات هنية تؤكد أنه لا تغيير في مواقف حماس).
وهذا كلام صحيح فحماس ثابتة على مواقفها, وبرامجها, ولا تساوم على حقوق شعبها, والمقاومة آليتها في انتزاع الحقوق, ولا مستقبل لمشروع أوسلو, والمستقبل كله للمقاومة وللشعب, وليس في كلام هنية مفاجآت لا في المضمون ولا في الزمان ولا في المكان, وجوهر لقائه كان لمواجهة التصعيد العسكري ضد غزة, والتضليل الإعلامي الإسرائيلي للغرب, وحماية المواطنين من الاغتيالات, وتحميل المسؤولية للمجتمع الدولي, ولم يكن موضوع المفاوضات غرضاً للقاء.