في مقالي السابق «شكراً لبابا المسيحيين الغزاويين» سردت لكم تقرير مراسلة جريدة «القبس» في قطاع غزة «منى فرح» الذي نشرته في 30 / 1 / 2009 والذي كان مضمونه يدور حول التعايش بين المسلمين والمسيحيين في القطاع وارتياح المسيحيين من العدالة والانصاف الذي يلقونه من النظام القائم هناك، والعجيب انه نظام ينتمي لاتجاه إسلامي يوصف عالمياً بالمتشدد ويصنف دولياً بالإرهاب!!! وكان البابا الذي أجرت «القبس» معه حواراً عن أحوال الجالية أو الطائفة المسيحية هو الأب مانويل مسلم، راعي دير اللاتيين الكاثوليكية في غزة، الذي كشف بكل مصداقية أن أحداث حرق الكنيسة في غزة والهجوم على مدارس المسيحيين مدبرة ممن يريد الايقاع بين أطياف التشكيل الاجتماعي الغزاوي، وطرف متربص بالجميع وقال الأب مانويل كلمته التي نريد من كل السذج والمغفلين والطيبين والاذكياء في كل مجتمع أن يضعوها نُصب أعينهم، قال - ويا نِعْمَ ما قال -: «أنا واع جداً لما يحدث وسيحدث»...
وفي مقال اليوم أكمل الحديث عن وعي هذا الرجل بموقف عملي يعطينا درساً في كيفية التعاطي مع زارعي الأحقاد وناثري بذور الشر، قالت منى فرح مراسلة «القبس» (30 / 1 / 2009): كيف أن الفلسطينيين (مسلمين ومسيحيين) يقفون عند الحواجز الإسرائيلية جنباً الى جنب «في بعض الأحيان وبحسب التعليمات ومخططاتهم الجهنمية، يعمد الجنود الإسرائيليون للقول (أنت مسيحي تعال ومر... أنت مسلم ابق حيث انت)». ويتابع «أنا شخصياً خضعت لمثل هذا الامتحان عندما كُنتُ عائداً من الأردن... فالجندي الإسرائيلي عرفني من الزي الذي ارتديته واختارني من بين الآلاف من اخواني الفلسطينيين الذين كانوا عائدين معي. قال لي (أبونا تعال سأجعلك تمر قبل غيرك). لكنني أجبته بأنني ملتزم بالوقوف بالصف وسأمر عندما يأتي دوري فتحول اللطف المصطنع إلى حقد كلفني البقاء على المعبر أكثر من 8 ساعات وكنت آخر من عبر الحاجز».
هذا الحدث ذكرني يوم كنا صفاً واحداً متلاحماً أمام الغزو البعثي للبلاد بكل تنوعاتنا العرقية والمناطقية والمذهبية، ولكن التحدي يكون في تغليب هذا التلاحم أيام السلم الاجتماعي الظاهري وتفويت الغزو الداخلي الخبيث الذي يريد استثمار هذا التنوع لمصالح الكبار أو أذنابهم أو من يتذكى بالتستر المكشوف.
أول من أمس الخميس أدركت الدقائق السبع الأخيرة من برنامج (مهمة خاصة) على قناة «العربية» وكانت المقابلات مع أطياف المجتمع العراقي في المهجر الهاربين من جحيم التصفيات العامة، ظهر في التقرير مجموعة من المتحدثين بألم على التشرد الذي أصابهم (أشوري - صابئي - شبك - مسيحي - امرأة لم أتبين من أي انتماء...) قال أحدهم بحسرة أصبح وضعنا مع اخواننا في العراق كوضع الإنسان مع الرحم الذي نزل منه، يحن إليه وينتمي له ولكن لا يستطيع العودة إليه!!
هل ننتظر - في الكويت - أن تصل بنا الحال كما صنع النظام الدولي الإنساني بالعراق بسبب طغيان الغرب وغباء العرب؟!
بعد كتابة مقالي السابق شكراً لبابا المسيحيين الغزاويين سألني أحد معارفي المقربين هل أنت مع تجنيس المسيحيين؟ قلت له يجب ألا يخطر هذا السؤال على البال، ما علاقة الجنسية وحق المواطنة بل مستحقات الإنسان عامة بدينه أو عرقه، ان رعايا الدولة الإسلامية منذ الأزل من كل الأديان والمذاهب، والملابسات السياسية الطارئة ليست هي الحكم على الحقوق والعدالة والكرامة وكم من مسيحي وغير مسيحي أنفع للبلد وأكثر اخلاصاً من هذا المسلم ذي الطبعة المزورة في اسلامه والكاذبة في إيمانه، نعم وبكل ما أملك من قوة أنا مع تجنيس المسيحي وإن كان قسيساً.