العدالة والتقدير والإنصاف أمور يجب أن تكون هاجس الحكومة الفلسطينية في قطاع غزة تجاه المعلم الفلسطيني والذي بحاجة إلى وقفة حقيقية إلى جانبه لما له من دور كبير في حياة المجتمعات وتنشئة الأجيال وإعدادها وتطويرها لمواكبة العلوم الحديثة والتطور العلمي والبحثي في المجتمع.
لازلت أذكر مدرس اللغة العربية المرحوم محمد الغرابلي وأنا في الصف السادس الابتدائي قبل ثلاثة وأربعين عاما عندما زرع في نفسي حب القراءة من خلال الإيحاء للطلاب باقتناء مجلة منبر الإسلام والتي اذكر كانت أول ما اشتريت من مطبوع في حياتي ومن مصروفي الخاص، ومن ثم تواصلت علاقتي بالكتاب، الكتاب الذي بات يشكو قلة القراء وقلة الإقبال حتى بتنا نعيش في مجتمع لا يقرأ، وأبعد ما يكون عن الثقافة التي يمثل الكتاب عمودها الفقري رغم كل وسائل التكنولوجيا الحديثة والمطبوعات.
المدرس اليوم يشعر بنوع من الاضطهاد وعدم الإنصاف والتقدير بالقياس إلى غيره من العاملين في الحكومة، ورغم انتمائهم للوطن وحبهم لمهنتهم وبذلهم جل أوقاتهم في التدريس والتحضير والتصحيح وما إلى ذلك من الأمور التي يشتغل بها المدرسون؛ إلا أنهم يشعرون بإحباط شديد، هذا الإحباط أدى إلى تراجع الأداء لدى الكثيرين منهم وزرع في نفوسهم نوعاً من اللامبالاة، هذا نشهده من خلال تراجع العملية التعليمية، وعدم تقدمها بالصورة المطلوبة، وبات المدرس يكتفي بما لديه من معلومات بلا تطوير أو تحديث أو بذل مزيد من الجهد والعطاء.
وحتى أكون أكثر صراحة فإن المدرس ومن خلال أحاديث جلهم تدرك حجم الغصة التي في نفوسهم وهم يرون من هم دونهم في الجهد والشهادات العلمية والدور المنوط بهم باتوا في وضع اقتصادي أفضل منهم في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وغلاء الأسعار وارتفاع تكلفة الحياة على المستوى العالمي وانعكاسه على المستوى الفلسطيني، الأمر الذي يؤدي إلى انخفاض مستوى المعيشة لدى شريحة المعلمين قياساً بالشرائح الأخرى.
نتيجة ذلك تجد المعلم يلجأ للعمل الإضافي إما سائقا على الطريق ويمد يده للشيكل من هنا وهناك وقد يكون أحد الركاب طالباً لديه في الفصل, الأمر الذي يؤثر على نفسية المعلم وشخصيته، أو يسعى إلى إعطاء الدروس الخصوصية والتي تقتل الحدود بين المعلم والطالب، أو تجده يبيع في بقالة أو لدى باعة الملابس على سبيل المثال ما يؤثر على الأداء بشكل كبير.
استشعرت نقابة المعلمين المخاطر والإشكاليات وحاولت البحث عن حلول لها؛ ولكنها تجد صدوداً وعدم التعاطي الإيجابي مع مطالب المعلمين عبر نقابتهم، ورغم ذلك لم تستسلم ولازالت تسعى في أكثر من اتجاه مع كافة الجهات حتى تنصف المعلم وترفع عنه شعوره بالظلم وعدم الإنصاف حتى يكون العطاء على أفضل ما يكون.
ونحن هنا نوجه النداء للحكومة الفلسطينية برئاسة رئيس الوزراء إسماعيل هنية لبحث ملف المعلمين بشكل جدي وسريع، وإيجاد الحلول المناسبة، وأنا على ثقة أن الحكومة تبذل الجهد الكبير في هذا الموضوع رغم الظروف السياسية والاقتصادية المحيطة، وهي تدرك الأهمية البالغة للمعلم ودوره، ولن تعدم الحكومة الوسيلة في العمل على إنصاف المعلم، وتأمين حياة كريمة له تغنيه عن البدائل، وتدفع به نحو الارتقاء بالذات وبالطلاب, الأمر الذي سينعكس بالإيجاب على العملية التعليمية برمتها، وهذا بدوره سينعكس على المجتمع وتطوره وسنلمس ذلك في السنوات القادمة.
أتمنى على الحكومة أن تفتح هذا الملف على مصراعيه قبل أن تتفاقم المشاكل، أو يقوم المعلمون بالتحرك نحو المطالبة بحقوقهم من خلال تنفيذ الفعاليات المختلفة، سواء الإضراب الجزئي عن العمل، أو الكلي، أو التظاهر على أبواب المسئولين، لأنه لا أخفيكم سراً أن هذا التفكير يدور في أوساط المعلمين.