في مديح الانتخابات واحتقار التاريخ

نشر 26 نوفمبر 2010 | 02:52

لم أفهم لماذا الإصرار على النفخ في الانتخابات التشريعية الراهنة، إلى حد وصفها بأنها «الأهم في تاريخ مصر الحديث»، والوصف ليس من عندي، ولكنه ورد في استهلال مقالة لرئيس مؤسسة الأهرام يوم الثلاثاء الماضي 23/11. ولم تكن تلك المرة الأولى التى أصادف فيها هذه المبالغة، فقد تحدث آخرون من إعلاميي «الموالاة» عن أنها حاسمة ومصيرية ونقطة تحول، وغير ذلك من الأوصاف التى تضفي أهمية على الحدث، وأعتبرها مبالغات تعتمد على النفخ والتلاعب بالألفاظ، لذلك فإنني حين سئلت في الموضوع في بعض الحوارات التليفزيونية قلت إنها انتخابات عادية للغاية، لا يتوقع منها أية مفاجآت من زاوية المصلحة العامة. بل إنها أضعف وأقل شأنا من الانتخابات التي سبقتها في عام 2005 ــ لماذا؟

 

لأن الانتخابات تكتسب أهميتها سواء من أنها غير معلومة النتائج سلفا، أو من كونها قد تؤدي إما إلى تغيير النظام أو السياسات أو الحكومة أو تغيير الحزب القابض على السلطة، لكن حينما لا يحدث شيء من كل ذلك، وتظل الأمور بعد الانتخابات هي ذاتها التي كانت قبلها، فإن الكلام عن الحسم ونقطة التحول والتأثير على المصير يغدو مبالغة غير مبررة، كما أن الكلام عن اعتبار الانتخابات الأهم في تاريخ مصر الحديث يصبح هزلا في موضع الجد، وتدليسا على القارئ يبتذل التاريخ، كما أنه يسيء إلى تقدير المرسل ويزدري بعقل المستقبِل.

 

أفهم أن تعد الانتخابات حاسمة وفاصلة ونقطة تحول وتاريخية أيضا فيما يخص الأفراد والعائلات التي يمثل الفوز بالعضوية وبرضى الحزب الوطني بابا لتحقيق طموحات الثراء والالتحاق بطبقات المجتمع العليا، أو لتعزيز الوجاهات العائلية. ومن ثم تصبح الانتخابات نقلة وتحولا في رحلة الشخص والأسرة ولا علاقة لها لا بالبلد ولا بتاريخه.

 

صحيح أن ثمة طوارئ معلنة في مقر الحزب الوطني، وأن الأبواق الإعلامية تسعى جاهدة لإيهام الناس بأن مصر تشهد معركة انتخابية حقيقية، تتصارع فيها الأحزاب، وتعقد المناظرات التليفزيونية بين قياداتها، وهناك كلام عن عشرات الآلاف من المندوبين تم توزيعهم على اللجان، كما أن ثمة حشدا من ممثلي منظمات المجتمع المدني يستعدون لمراقبة التصويت، لكن ذلك كله يظل من باب تحسين إخراج الفيلم لا أكثر، لأن النتيجة معروفة سلفا، وليست هناك أية بادرة قلق بخصوصها في أوساط مراتب السلطة العليا، بدليل أن الرئيس مبارك قرر أن يقوم بجولة خليجية قبل 48 ساعة من المعركة التي يفترض أن يحسم فيها وضع الحزب الوطني الذي يرأسه، ولو كانت لديه ذرة شك في اكتساح الحزب للنتيجة لأجل رحلته إلى ما بعد التصويت يوم الأحد المقبل.

 

أما كون الانتخابات أضعف وأسوأ من سابقتها، فالشواهد والقرائن التي بين أيدينا تدل على ذلك بما لا يدع مجالا للشك. تكفي في ذلك إجراءات التعتيم والقمع والتخويف التي أشاعتها السلطة هذه الأيام في الوسط الإعلامي. إذ ليست مصادفة أن تتلاحق تلك الإجراءات قبل إطلاق المعركة الانتخابية. من إلغاء برنامجي إبراهيم عيسى وعمرو أديب وإقصائهما إلى الانقضاض على صحيفة الدستور ومسخها، إلى إغلاق العديد من القنوات الفضائية بحجج مختلفة، إلى إنذار الفضائيات الأخرى بضرورة الالتزام بحسن السير والسلوك الحكوميين. إلى ملاحقة مقدمي البرامج الحوارية بالإنذارات والتحذيرات، إلى ابتداع جهاز أمني قمعي باسم لجنة متابعة ورصد الدعاية الانتخابية، إلى تكبيل الفضائيات لمنعها من استخدام أجهزة البث على الهواء في متابعة أحداث الانتخابات، من خلال وضع اشتراطات من شأنها أن تحول عمليا دون تمكينها من القيام بمهامها.

 

هذا كله لم يكن حاصلا في انتخابات 2005، الأمر الذى يعني أن الانتخابات الراهنة تعد انتكاسة إذا قورنت بالتي سبقتها. ولست هنا ممتدحا ما جرى وقتذاك، لأن انتخابات 2005 شهدت صنوفا من القمع والتزوير والتلاعب خصوصا في مرحلتها الثالثة، لكني أقول إن تلك الانتخابات إذا كانت سيئة فالراهنة اسوأ منها بكثير.

 

ذلك أنه لم يعد سرا أن ثمة قرارا غير معلن يقضي بعدم السماح بتكرار ما حدث في عام 2005، وأدى إلى فوز الإخوان بـ 88 مقعدا في مجلس الشعب، ظل شاغلوها مصدر إزعاج و«عكننة» للحكومة طول الوقت.

 

وقد نفذت التعليمات بدقة في انتخابات مجلس الشورى التي تمت في شهر يونيو، فلم يسمح لأحد من الإخوان بالنجاح في أي دائرة، والرائج في الأوساط السياسية أن الموقف ذاته سيتكرر في مجلس الشعب، وقد يسمح لعدد منهم بالنجاح، قيل إنه لا يزيد عددهم على عشرة، بدلا من الـ 88 الذين نجحوا في الانتخابات السابقة، وقد مهد لذلك الدكتور علي الدين هلال حين استبق وأعلن قبل أيام (في 22/11) أن الناس انصرفوا عن الإخوان، ولم يقل لماذا؟

 

إذا صح ذلك، فلا أعرف على أي أساس تعتبر الانتخابات حاسمة أو نقطة تحول، الأمر الذى يدفعني إلى التساؤل عما إذا كان يليق بباحث محترم أن يصفها بأنها الأهم في تاريخ مصر المعاصر؟ وعما إذا كان يقبل بأن يحتقر تاريخ البلد ويستغبي القارئ إلى هذه الدرجة؟