إنّ دماءكم عليكم حرام

نشر 24 نوفمبر 2010 | 11:38

في البدء، قبل أن تخلق الخليقة، وقبل أن تعمر الأرض، وقبل أن يستخلف الإنسان في هذا الكوكب الأرضي، تخوف الملائكة من أمرين خطيرين، سيأتي بهما هذا الكائن الجديد، فقالوا: «أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء». الفساد وسفك الدماء، هذا ما تحسبت منه الملائكة. وهما الداء الذي يضرب الأرض هذه الأيام وفي غابر الأيام وفي المستقبل كذلك. لقد وقع المحذور والمحظور. ولئن كان سفك الدماء مطلقاً جريمة كبرى، تلي الشرك في الخطر ومقدار الإثم، فإن سفك الدماء فيما بيننا أعظم جرماً وحرمة بما لا يتناهى. وكل ذلك كان وكائن وسيكون.

 

ولئن كانت البداية، بل ما قبل البداية، كما أوجزنا، فتأمل هذه النهاية للبعثة النبوية، ودقق في هذا الختام الجامع المحذر المشفق المنبه الموقظ. ففي حجة الوداع وفي أكبر تجمع تشهده الجزيرة، في موسم الحج الأكبر، وفي يوم الجمع الأكبر في يوم عرفة، يخطب المصطفى صلى الله عليه وسلم في صعيد عرفة، في جموع الحجيج، ويوصيهم وصية الوداع في حجة الوداع، ويستودع في حبات القلوب، وفي لب العقول، يستودع المعاني الجامعة الخاتمة التي يختم بها أيامه بيننا، وهو ينبه إلى دنو أجله، فيقول لهم: «لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا» ويحذرهم فيقول: «لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض». ويسألهم عن يومهم وشهرهم وبلدهم فلا يجيبون ظناً أنه سيسمي كل ذلك بغير اسمه، ولكنه –بالسؤال- يريد أن ينبههم ويوقظ مسامعهم وأفئدتهم لتلقي الغيْث النبوي، فيخبرهم بأسمائها كما يعرفونها، ويعطيهم المعرفة التي ينبغي اليقين في اعتقادها والتوثق من التزامها، والتشديد على حرمة انتهاكها وعدم مراعاتها، فيقول: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. ألا هل بلغت!؟ اللهم فاشهد». فيشهدون -والعبرات تخنق الجموع- أنه بلّغ وحذّر ونصح وجمع لهم الخير كله والنصح كله.

 

أفيفارق النبي صلى الله عليه وسلم الدنيا وآخر تحذيراته هذه المسألة ثم لا تكون هذه القضية وقضية الشرك أخطر القضايا؟! بل هي بالقطع كذلك! وسفك الدماء الذي حذرت منه الملائكة في البدء قبل التكوين البشري، وحذر منه المصطفى في ختام التبليغ النبوي، هذا المحظور سيسوغه الشيطان بمبررات شيطانية تنطلي على العقل المغمض والمصمت، أو المعمى عليه، أو قليل الوعي والمعرفة ضعيف العلم والتفكير والتحصيل والمحصول!

 

ومن أخطر مداخل سفك الدماء: الاختلاف في الدين، وزعم كل فرقة وكل فريق أنه على الحق الذي ليس بعده إلا الضلال، وأنه الفرقة الناجية والتعصب للذات، والغلو في الفهم والدين، ولَبْسنا شيعاً، كما حذرنا الله أشد التحذير فقال: «أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض». الأنعام.

 

ولقد ظهرت منذ وقت مبكر فرق كفّرت المسلمين، وولغت في الدماء. والتكفير مقدمة «التطهير»! ولقد راح ضحية هذه العقليات آلاف كثيرة من المسلمين، كان يمكن أن تفتح بلاد الكفر للإسلام، بدل استنزاف طاقة أمة الإسلام في الصراع البيني في ما بين مكونات أجزاء أمة الإسلام.

 

 

ومن أعظم من فقدناهم لهذه العقلية المريضة وبسببها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي عنه، ولقد صاح قاتله الأحمق وهو ينفذ جريمته وهو يقتل خير البرية في زمانه، صاح: «فزت ورب الكعبة!» وما درى أنه خسر الدنيا والآخرة، ورب الكعبة!

 

والنص النبوي الشريف: «إن دماءكم» لم يقصد مجموعة أو طائفة أو فرقة أو أهل مذهب، وإنما قصد الأمة كلها بكل مكوناتها، بدلالة فعله وتطبيقه صلى الله عليه وسلم، فعندما قال له ابن سلول الابن: إن كنت تريد قتل والدي مرني أنا فلأقتله. قال: لا. ولكن نحسن صحبته ما عاش بيننا! فلما مات صلى عليه وكفنه بردائه صلى الله عليه وسلم! وشهد القرآن مرات بكفر ابن سلول ولم يقتله الرسول!

 

وعندما حذر النبي صلى الله عليه وسلم من أنه «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار» فسألوا عن المقتول لم يكون هو أيضاً في النار؟ فيقول إنه كان حريصاً على قتل صاحبه.

 

كلام كالشمس وضوحاً، وكالنور تبلجاً، وكالغيث سقيا للقلوب، ومع هذا فهل تنتبه أمة محمد صلى الله عليه وسلم؟ هل يتوقف سيل الحماقات وسيل الدماء الراعفة النازفة؟

 

وآخر الصرعات والصيحات والابتكارات التي يطلب أن تعصف بنا: فتنة السنة والشيعة. ولقد قالها بن غوريون قبل خمسين سنة ونيف «إن العالم العربي والإسلامي مليء بالتناقضات العرقية والمذهبية، وعلينا أن نثيرها ونستغلها في إضعافهم جميعاً» أو كما قال قاتله الله!

 

يا أيها الناس، لقد بين الله لكم أن عدوكم والشيطان هو الذي يثير حفائظكم ضد بعضكم، وهو الذي يغري بينكم العداوة والبغضاء، وحذركم من كل ذلك ومن أن تقعوا في أحابيلهم وشباكهم وشراكهم وخداعهم! ونذكر من الكثير من الآيات في هذا المعنى، نذكر اليسير: «يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين..»آل عمران. وبعد أن كلمتنا سورة المائدة عن الولاء وبينت أن من يتولى الكافرين من أعداء الأمة والدين فهو منهم: «ومن يتولهم منكم فإنه منهم» بعد ذلك بينت أن فريقاً منا يهرولون ويسارعون في الولاء لهم «الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم..» وبينت أن المؤمنين الصادقين المجاهدين هم من ينهون الردة، عادت إلى موضوع الولاء: «إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا..» المائدة51-60. فلتراجع الآيات، وتفسيرها!

 

لكن من يقرأ؟ ومن يستفيد إذا قرأ؟ ومن الذي يخترع المسوغات لتعطيل النص؟ إن الحماقة أعيت من يداويها. والعجيب أنّا إذ نحذر من هذه الفتنة العمياء يظننا بعض العميان لا نعي الخطر الشيعي، وليس الأمر كذلك فهذه لعبة قذرة خطرة ينبغي الحذر منها أشد الحذر. فأولاً لم يقع في العهد النبوي المبارك اقتتال في الصف المسلم حتى بعد أن شهد الله في عليائه بكفر المنافقين، أو فريق منهم ومع هذا فلم يقتل النبي منهم واحداً!

 

وأمر آخر أن الفكر الشيعي عمره اليوم ألف سنة وأربع مئة فما الجديد؟ وما الذي نبهكم كل هذا التنبيه في الشهور الأخيرة فقط؟

 

وكل مقولات الشيعة قديمة قدم الإسلام تقريباً فلا جديد!

 

يا أيها الناس إن المطلوب أعني إسرائيلياً ومن قبل من يحرضوننا أن نخوض نحن نيابة عن «إسرائيل» كل معارك «إسرائيل». فالحرب على غزة، وهي قادمة، فيما أرى، ستكون هذه المرة أيضاً ولكن بأيد عربية! وقصف إسرائيلي. فلا تسقط الدماء العبرية في الحرب بل تسقط وتسفك الدماء العربية. وقد قال الله: «كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فساداً» المائدة. وإذا وقعت هزيمة، لم تمس هيبة دولة «إسرائيل»، كما حصل في الحربين الأخيرتين 2006، 2009، فاعتبروا يا أولي الأبصار. بل إن بعض الحمقى –ليسوغوا حصار حماس ومن ثم قتال حماس- يزعمون أن حماس هي وكيلة إيران في المنطقة. وكذبوا والله. ووالله ما أدخل إيران إلى المنطقة إلا الذين يحشدوننا اليوم ضد إيران! من الذي أسقط صدام حسين، الذي كان صخرة تسد كل منافذ الشيطان عن هذه الأمة من جهة إيران وغير إيران؟ أليست هي الدول ذاتها التي تحذرنا اليوم من التمدد الشيعي والتغلغل الشيعي والتسلل الشيعي؟

 

يا أيها الناس، إن هذا الباب إن كسر أو فتح، ألا فلتعلموا أن سيل الدماء بعد كسره لن يتوقف! ولن تقتصر الأمور على استنزافنا سنة وشيعة، فعندنا من المذاهب والأديان والملل كثير. أليس في العراق عبدة شيطان (اليزيديون)؟ وبأي مسوغ نسوغ قتل النصارى في العراق؟ إلا أنه لا يجوز بحال سفك الدماء لا يزيدية ولا نصرانية ولا شيعية. ولكن فلتتوجه كل الجهود لسفك دماء القوات الغازية. إن قتل ألف محتل أمريكي إضافي سيرحل كل جنود أمريكا من المنطقة. فمتى تتوقعون الانتهاء من فتنة السنة والشيعة إن وقعت؟ أبعد عشرة من السنين أم بعد عشرين؟ أبعد قتل مليون أم عشرين؟ ما هذا العقل الأعمى الذي لا يهتدي لا بنور شرع ولا نور بصيرة ولا سياسة ولا مصلحة ولا واقع، ولا تجربة التاريخ ولا الأمم!؟

 

والعلماء الذين استجابوا للّعبة وإغراء العصبية والغيرة الطفولية الفجة، فأثاروا كل هذه الضجة على مسألة الخطر الشيعي، والحماقة الإيرانية تغري سفهاءنا بنقل المعركة إلى الصراع المذهبي البيني، ألا فلتنتبهوا!

 

وندع كل هذا لنخصص سطرين للبنان. فهي من أخطر نقاط الصراع مع هذا العدو المجرم. واليوم يجري تحشيد أهل السنة لمواجهة الشيعة ثم. وقد نقلت لكم من قبل قول «القباني» –ما غيره- غير الموزون ولا المتزن: إن صبر السنة بدأ ينفد! ورموز أهل السنة في لبنان –من أسف- جلهم مشبوه ومرتبط بقوى خارجية.

 

العميل عميل من كل ملة ومن كل مذهب. ولا تجعلنا العصبية نغضي عن العميل لأنه فلسطيني مثلاً، أو لأنه من سنة لبنان مثلاً. فالخيانة خيانة. وإذا كان الله قيض في لبنان من يقاتل «إسرائيل» بهذه الشراسة والمبدئية فلم لا نعد ذلك جزءاً من حربنا ضدها ونلتقي في هذا الهدف؟ ألسنا كنا نتعاطف مع الفيتناميين في حربهم ضد أمريكا فهل نحن شيوعيون؟ ألسنا نتعاطف مع تشافيز ولولا دي سيلفا ضد أمريكا؟ فلماذا في الحرب ضد الصهاينة لا نتعاطف مع من يشاطروننا الموقف والرؤية والمقاومة؟

 

ويقول بعض العباقرة: إن المقاومة في لبنان تمثّل علينا ولا تمثلنا، والرد بسيط أنه حتى التمثيل لم يعد مقبولاً هذه الأيام. وأن «إسرائيل» لا يمكن حتى في التمثيل إلا أن تلعب دور البطل. إنها في التمثيل لا تقبل دور المهزوم الهزيل! ثم لماذا لا يمثل علينا قادة السنة فيسلبوا لبّنا في لبنان وغيرها ويخلبوا بصرنا ويعلقوننا بهم بدل أن تتعلق الجماهير بمن لا يحب القادة أن تتعلق به؟ حذار من الوعي المنقوص أو المقلوب أو المعكوس أو من غيبة الوعي وفقدان الوعي باسم الوعي على الخطر الشيعي.

 

المعركة على العقل دائرة وخطرة وشرسة والأقلام المسمومة خربت العقول.

 

ولقد أراحنا القرآن ورتب أولوياتنا في الصراع فلا يتفلسفن علينا أحد بعد كلام الله: «لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود». فلتخرس الأصوات التي تقول: الشيعة أولاً! أبعد قول القرآن قول؟ والله يقول: «يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم».