اعتلى الخطيب المنبر ، وبعد أن رفع الأذان بين يديه ، حملق في الجمهور وعلت سحنته سحابة حاول أن يتكلف معها الجد ويشير إلى أن الموضوع خطير وكبير ، مد يده إلى جيب جبته الداخلية ثم انتزع خطبته وبدأ يطلق الشرر من لسانه في خطاب هجومي لاذع هاج فيه وماج وشرّق وغرّب وشمّل وجنّب في موضوع انصبّ على مهاجمة إيران ..
إيران الظالمة المعتدية ناشرة التشيع والمتآمرة على كل عربي ومسلم على وجه الأرض ، ثم بعد ذلك نصب منجنيقه وبدأ بقصف أتباع إيران والشيعة في ديارنا لامزاً وغامزاً ومتحركاً ذات اليمين والشمال حتى كاد عقاله يسقط عن رأسه وخلص في النهاية إلى أن من أعانها وساندها وناصرها ووالاها وأركن إليها رافضي مثلها لا تؤكل ذبيحته ولا يزوج من المسلمات ..
همهم بعض الناس وتنحنح آخرون لكن لم يجرؤ أحدهم على الإفصاح عما يجول بخاطره لأنه يحسب ألف حساب لمن يسجلون حتى الشهقة والزفرة والنظرة .
هذا جانب من بازار خطب الجمعة في ديارنا هذه الأيام ، وهذا جزء من ( الموضة ) في مهاجمة إيران التي قد نتفق أو نختلف معها ولست بصدد الدفاع عن إيران بقدر استهجان الحالة المزرية التي وصل إليها الخطاب العربي الرسمي والتوجيه الذي استغل منابر الجمعة إلى غير المقاصد الشرعية رغم أن (إسرائيل) هي الخطر الداهم لأمن المنطقة كلها والعدو المركزي والتي أنهت تدريباتها وتعلن صراحة عن نيتها مهاجمة إيران وسوريا ولبنان وغزة وربما مناطق أخرى .
(إسرائيل) التي صادرت الأرض وقتلت الإنسان ودمرت الشجر والحجر واعتدت على حق الإنسان في الحياة ، وهي التي تملي شروطها في الصباح والمساء أمام صمت العالم العربي الذي لم يحرك ساكناً ولا يملك شيئاً سوى الضغط على الفلسطينيين للقبول بما تريده (إسرائيل).
لقد تحول بعض القادة العرب والمسؤولين إلى متسولين على أبواب البيت الأبيض طالبين من أوباما التكرم والتلطف بالضغط على إسرائيل ( للقبول ) بتجميد الاستيطان ولو لأسابيع أو أيام وإلاّ .. فإن العرب سيلجؤون إلى مجلس الأمن !!!
إن المواطن العربي قد أصابه (القرف) والمغص وأشياء أخرى من صور بعض وزراء خارجية العرب أصحاب الشأن في صور مع هلارى كلينتون وهي فاغرة فاها في ضحكات متهتكة وهستيرية تتأبط هذا المسؤول العربي أو ذاك تحث جميع الأطراف على ضرورة التنازل حيث لا حل .. إلا فقط بالمفاوضات المباشرة .
حصار غزة.. والتوغل اليومي داخل مدن الضفة وما يرافقه من قتل واعتقال ثم تصريحات ليبرمان التي تخلو من المجاملة لهؤلاء القادة لم تثر أي شعور بالإحساس عند هؤلاء.
لقد قدمت أمريكا جملة حوافز مقابل الوعد الإسرائيلي بتجميد الاستيطان ، فماذا قدمت للفلسطينيين من حوافز على تنازلاتهم ؟!
لقد تحول كثير من القادة العرب هم وإعلامهم وأجهزتهم إلى أدوات دعائية رخيصة ضد المقاومة وقواها في المنطقة . إن تفشي ثقافة الهزيمة والانسياق وراء ما يطلبه الإسرائيليون والأمريكان وتحت شعار إما أن تكون مع أمريكا أو مع الإرهاب فاختار هؤلاء الانحياز الكامل لأمريكا وإسرائيل ضد مصالح أمتهم وشعوبهم.
إن المحاولات المستميتة (عربياً) لاستيعاب (إسرائيل) في المنطقة على أنها جزء من المنطقة لها الحق الكامل أن تعيش مثلها مثل بقية دول المنطقة يدلل على مدى الانهيار الذي وصل إليه المنطق ومدى التراجع في المفاهيم التي كانت سائدة قبل فترة من الزمن ، ولشديد الأسف فالذي يقوم بتلك الحملات هم ما يسمون بالمثقفين الذين صعدوا ووصلوا في ظروف غريبة ومريبة .
إن محاربة القيم خاصة ما كان منها مرتبط بالدين أو بثوابت الأمة على رأس برنامج تلك الفئات المنحرفة التي لبست لبوس الثقافة والفن ، حتى التحليل السياسي فيقدم بعض المأفونين على أنهم محللون سياسيون واستراتيجيون أو خبراء مختصون بالشأن الديني أو بالجماعات الدينية أو الإسلام السياسي .
لقد غنى المطرب التونسي محسن الشريف في أم الرشراش الفلسطينية ( إيلات ) أمام حشد من الجمهور الإسرائيلي حيث غنى ورقص ، ثم فاجأ الجمهور حين دخل عالم السياسة وحول الحفل الفني إلى مظاهرة غوغائية أخذ يهتف فيها ( يحيى نتنياهو .. يحيى نتنياهو ) وأمام دهشة الجمهور الذي لم يردد مع هذا النكرة حيث ظن أنه سيحمل على الأكتاف ولعل بعضهم كاد أن يبصق عليه قبل خروجه ، ولكن لم أعلم أن وزير الثقافة التونسي أو نقابة الفنانين هناك كان لهم تعقيب على هذه الجريمة !!!
إنه من المحزن أن يفرض أمثال هؤلاء عليك ويقدمون على أنهم فنانون ، ويقدم بعض الممثلين الذين أدوا أدواراً رخيصة على أنهم أبطال ونجوم ، ويتم فرضهم على المشاهد معظم الوقت في الفضائيات ، يقدمون تهافتهم في حين يتم إغلاق عشرات الفضائيات لأنها تدعو إلى الفضيلة .أو عندما تقرأ في الصحف كلاما لا أول له ولا آخر في الفكر والسياسة ولا علاقة له بهما من قريب أو بعيد .
لقد طالب ( أنيس منصور ) أحد كتاب ( الأهرام ) المشهورين بشنق مؤذن الفجر لأنه يتعب أعصابه ، ثم يقول هذا ( المشهور ) في إحدى مقالاته محتقراً الشعب المصري " إننا شعب يستاهل يتضرب بالجزم " .
وأمام هذا اليأس من الشعوب تجرأ أمثال هؤلاء الحثالة على هذه الشعوب المغلوبة على أمرها ، فهو يرى أن (إسرائيل) دولة يستحيل هزيمتها لأن وراءها أمريكا ، أمثال هؤلاء يقدمون كنجوم حلقات تلفزيونية والجماهير أمامهم تصفق وتضحك .
إن عدوى ثقافة الهزيمة أصابت كتاباً وسياسيين وباحثين ومذيعين وأساتذة جامعات ، فمسخت شخصياتهم ، فكانوا عبارة عن ( مولينكس ) يعجن ويخفق ويقطع .. فالمجاهدون الافغان متمردون ، وجيش كرزاي قوات حكومية ، وأهل غزة انقلابيون ، والتنسيق الأمني تعاون مشترك بين الطرفين ، والمقاومة لعب عيال وعبثية . ألم يقل وزير خارجية عربي عن إحدى العمليات بأنها ( عملية كاريكاتورية ) ؟! ألم يقل زعيم عربي عن إحدى عمليات المقاومة بأنها حقيرة؟!
إن حرب 67 لم تكن إلا بعد الهزيمة الثقافية ، ألم يكن شعار المعركة ( أم كلثوم معكم في المعركة ) ؟! لقد أسست بعد تلك المعركة الخاسرة والتي أصابت الأمة في كيانها جيلاً يقود معركة إلغاء الأمة وإلغاء وجودها ، فهذا مقرر الثقافات في حزب عربي يشهد على نفسه بالكفر ويقول بالفم المليان ( أنا كافر وأعلى ما بخيلكم اركبوه ) ثم بعد ذلك أهل الإسلام في نظر هؤلاء إرهابيون ضبابيون منغلقون محدودو الفكر وتكفيريون.
وبعد مرارة هزيمة 67 يخرج علينا ( اللواء ) محمد عبد الوهاب في أغنية مشهورة يناشد الأمة فيها ويقول ..
انسى الدنيا وريح بالك وأوعى تفكر في اللي جرالك
إن الهزيمة النفسية والفكرية لها روادها ومنظروها ، فأصبحت ثقافة الهرولة والانبطاح علم يدرس، كذلك كان لها مشجعوها ومتحدثون رسميون باسمها يملكون فضائيات لا تقدم إلا الراقصات على مدار الساعة وأخرى للتمثيل وبث الأفلام وثالثة للكوميديا ورابعة للتراجيديا وخامسة وسادسة . لقد كان من طرائف الشيخ كشك - رحمه الله – أنهم سألوا الراقصة ( نجوى فؤاد ) عن سر اهتزازها الشديد أثناء الرقص فقالت لهم ( إني بذلك أعبر عن تاريخ مصر ) فقال الشيخ كشك بسخرية : ( يا ريت تعبري لنا عن معركة عين جالوت ) .
لقد أقام هؤلاء في فكرهم حاجزاً بينهم وبين الدين ، وأنا هنا أكاد أجزم أن معظمهم لا يعرف عن صلاة الجنازة أو صلاة العيد شيئا أو حتى الصلوات المكتوبة .
حدثنا الأستاذ يوسف العظم - رحمه الله – قال : جمعنا مؤتمر حضرته نخبة من كبار مفكري الأمة وروادها في مجال الفكر والثقافة ، وحضرت صلاة المغرب ، فأعلن الإمام أن الصلاة جمعاً وقصراً بين المغرب والعشاء للضيوف المسافرين، قال .. وكان بجانبي من تقدمه وسائل الإعلام بأنه أحد كبار المفكرين على مستوى العالم العربي ، فقال باستهجان ( ايه ، دين جديد ده ، ولا ايه ) فقلت له مداعباً : (الأدهى من ذلك كيف سنقصر صلاة المغرب؟! ) لتدرك مدى الفقه والعلم في أولويات وبديهيات الأمور الشرعية لدى المثقفين في عالمنا العربي .
لقد حُدِثنا عن وزير أوقاف عربي يشرح للحضور بأن (إسرائيل) جارة ولا يجوز شرعاً الحرب معها !
أحد كبار المنظرين للصلح والسلام والاعتراف بيهودية الدولة الإسرائيلية والتخلص من كابوس حق العودة يعتبر أن إيقاف (إسرائيل) حربها على غزة قبل تدمير حماس خطأ إسرائيلي فادح .
وأمام ذلك الحشد المنظم من منظري الهزيمة والاستسلام الذين قولبوا لفكر الهزيمة في كتب تدرس في المدارس, أين أصحاب الفكر الصحيح والحقيقي؟ ألم يأن لهم وأمام هذا العبث أن يأخذوا دورهم وأخذ زمام المبادرة .
إذا كان البعض قد رضي أن يكون أمريكيا أو حتى إسرائيلياً فإن هناك من القيادات الفكرية الصادقة النقية والتي شربت من النبع الصحيح والصافي إلا أنها للأسف عملت لذاتها لا لغيرها ولم تنزل إلى ميدان الدفاع عن قيم الأمة بلسانها وقلمها على الأقل ، فكم من السادة حملة الشهادات العلمية في أرقى التخصصات وقد أكرمهم الله بملكات علمية و خطابية ولسانية رضوا أن يحشروا أنفسهم في جامعاتهم يؤدون دوراً أكاديميا بحتاً بعيداً عن هموم الأمة وما يخطط لها وقد عزلوا أنفسهم وحرموا أمتهم من الخير العميم الذي أكرمهم الله به؟
أما آن الأوان لهذه الطاقات الهائلة أن تشكل سداً مانعاً أمام فيضان العفن الذي يستهدف عقيدة الأمة وثقافتها والذي وصل في بعض مراحله مرحلة متقدمة وما نراه اليوم بعض آثار ذلك التراجع والانهيار والاستسلام عند بعض الصادقين .
يجب التشمير عن ساعد الجد لوقف سياسة التحريض الممنهجة على كل ما هو ايجابي في حياة الأمة حتى رأيت من أبناء الأمة من يحرض على تاريخها المجيد وماضيها العريق بل على مقدساتها وقضاياها المصيرية.
إن المفكر المسلم اليوم شبه محيد إلا من رحم الله .. إن الفكر المهترئ لا يمكن له الصمود أمام الفكر الناصع في أي جولة من الجولات ، فقد أصبح التحرك لوقف حالة التدهور هذه فرض عين على كل صاحب همة حتى يعاد للأمة اعتبارها في الأمور كلها.
ما كان لهؤلاء المنبوذين أن يجرؤوا على جلد الأمة بسوط الأعداء إلا بعد نزول الكثيرين من أصحاب الفكر النقي عن التلة والتراجع إلى مواقع خلفية ينظرون من بعد إلى حال الأمة وكأن الأمر يعنى غيرهم, لقد أحزنني حالة التراجع الإيماني والأخوي عند بعض الأحبة الذين انساقوا مع الواقع الجديد وللأسف مع شعار (بدنا نعيش) فلا تراهم في صلاة الجماعة إلا نادراً وانقطع عن زيارة أحبابه وإذا زاره بعضهم حار واضطرب وحسب ألف حساب...هكذا يا أهل الفضل..؟
إن الإرهاصات كلها تشير إلى أن الأمة مقبلة على معركة مصيرية متعددة الجوانب عسكرية وثقافية وفكرية يجب أن تكون الغلبة فيها لها ، فالصبر والثبات منقطع النظير للأهل في قطاع غزة قد أربك كل المخططات والمراهنات وفتح طاقة أمل أمام كل المترددين والخائفين وخلقت واقعاً جديداً في حياة الأمة، فكيف إذا كانت الأمة كلها غزة وعلى قلب رجل واحد من الصبر والثبات والتحدي مهما كانت الإمكانيات ، لأن خلف المؤمن الصادق قوة عظمى أعظم من كل القوى ؛ هي قوة الله وقدرته .
لقد وصف الله المنهزمين رغم إمكانياتهم الهائلة والدعم الذي يتلقونه من كل جانب ، ورغم مكرهم الذي كادت أن تزول منه الجبال بأنهم ليسوا أكثر من زبد .إن الطاقات موجودة في الأمة وهي عظيمة وهائلة آن الأوان لأصحابها أن يرفعوا للحق راية ،وأن يخرجوا من دائرة الحصار الذاتي والداخلي ...
إن خصوم وأعداء الحق مهزومون داخليا وتجاربهم مع الحق معروفة وهي الهزيمة النكراء لهؤلاء . إن الله عز وجل مع الحق دائما وفي كل حين ولن يكلف الله نفساً إلا وسعها ثم (ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون) .