الطريق المصري إلى القدس 3/ 4

نشر 16 نوفمبر 2010 | 12:16

مذكرات بطرس غالي تحت عنوان: "طريق مصر إلى القدس" وهي التي لخصها ودرسها: محيي الدين عميمور، ونحن بدورنا نلخص الملخص، ونعلق بعض التعليق وهي مذكرات مهمة جداً، ومن أهم ما فيها أن نفهم من تاريخنا المعاصر حلقة تعتبر من أهم وأخطر حلقات هذا التاريخ. ومن أكثرهما عتمة وظلالاً وخفاء. وهي مهمة أيضاً لأنها تكشف كيف يدار العالم العربي ومصر عينة منه. وهي مهمة لأنها تكشف كيف يتمكن الصهاينة من التحكم في المنطقة من خلال سيطرتهم على أنظمة أو على أفراد بالأحرى. والدراسة تكشف كما ترى شخصية السادات هذا المتأله المتفرعن المتقلب الذي رمت به ظروفنا في قيادة أعظم بلد عربي.

 

نعود إلى حديثنا نصل منه ما انقطع، وكنا توقفنا عند اجتماع الإسماعيلية بين السادات وبيغن، ونواصل وصف بطرس: "طلب مني السادات أن أقابله في الإسماعيلية حيث سيقابل رئيس الوزراء مناحم بيغن، جلسنا حول مائدة طويلة (يعني بروفة للاجتماع) ثم تلوت مشروع إعلان مشترك يصدر بعد اجتماع السادات مع بيغن.

 

عندما انتهى الاجتماع سألت ممدوح سالم عمن يكون وزير الخارجية الجديد (يقصد بدله) عدت إلى القاهرة وإلى بيتي حيث انتقدني صديق بقسوة وسألني: كيف تقبل العمل تحت رئاسة محمد إبراهيم كامل؟ كيف تسكت على هذا الإذلال؟ (واضح من اللهجة أنه قبطي. وأن العمل تحت رئاسة محمد كامل إذلال لبطرس! وهذه النعرات الكذابة الفارغة تتجاهل أنهم جميعاً شغالون في خدمة المشروع الصهيوني. وهذا لا يذكره أحد ولا يعترض عليه معترض.)

 

في عصر ذلك اليوم حضرت اجتماع مجلس الوزراء، وأعلن رئيس الوزراء أن مؤتمر الإسماعيلية سيؤدي إلى اتفاق على أسس السلام. يقول بطرس: قلت: إن مفاوضات السلام تستغرق وقتاً طويلاً، وأن محادثات الإسماعيلية ستقوض مبدأ الوحدة العربية وتضحي بمصالح الفلسطينيين (!)

 

لم يلق ما قلته قبولاً. (نتوقف قليلاً. ما هذا الحرص الذي هبط على بطرس؟ هل لأن السادات عين محمد كامل وزيراً أعلى منه؟ وهل فطن الآن إلى أن المفاوضات ستقوض الوحدة العربية، وهو كان أحد العرابين المقربين من اليهود، كما هو كلامه؟ وهل انتبه الآن إلى مصالح الفلسطينيين؟ أما عدم الإصغاء إلى كلامه فإما لأنه خارج سياق معرفتهم ببطرس وعلاقاته! وإما لهو سهم في حب السلام، وحبك الشيء يعمي ويصم. وحب "إسرائيل" يعمي القلب والعقل والبصيرة. علماً بأن ممدوح سالم بالنسبة لوضع النظام الحاكم الآن لا يكاد يقبل المقارنة، فالمقارن ظالم)

 

ونواصل مع الغالي بطرس، يقول: "في الإسماعيلية بعد نصف ساعة خرج بيغن والسادات. (عند الصوفية مصطلحات الخلوة والجلوة وكلها حلوة على كل حال!) (وطبعاً لاحظتم ملاحظة عميمور عن الكتابة بالأسلوب الغربي. كأنه يترجم عن نفسه!)

 

نعود بعد انضمام بيغن والسادات إلى الفريق المصري. بدا بيغن سعيداً ومرتاحاً. (طبعاً يا عم بطرس. الكرم العربي أو الفرعوني يسعد ويريح. والتنازل والمهاودة والبيع بالتقسيط المريح يريح. ألم يقل بيغن أو خليفته رابين: كنت أفاوض نفسي في مفاوضاتي مع الفلسطينيين. هؤلاء الذين كانوا يتظاهرون أنهم ضد مفاوضات السلام وضد الكامب! ثم صاروا في الهوا سوا!)

 

نعود إلى السعيد المرتاح الفرحان بيغن وبطرس "القلقان"! يقول هذا الغلبان: "وأقلقني ذلك. ولم ألبث أن عرفت أن بيغن حصل على موافقة السادات (لاحظ "حصل") على تشكيل لجنتين على المستوى الثنائي: إحداهما عسكرية والثانية سياسية.

 

يقول بطرس: وما إن علمتْ بهذا الاتفاق "عصابة" وزارة الخارجية، كما كان الإسرائيليون يسموننا، حتى سعينا إلى تغيير تشكيل اللجنتين بحيث تصبحان شاملتين بدلاً من أن تعقدا على المستوى الثنائي حيث تكون مصر في وضع أضعف. نجحنا (هيه..!) نجحنا في تحويل اللجنة السياسية إلى هيئة رباعية تشمل الأمم المتحدة والولايات المتحدة، لكن اللجنة العسكرية ظلت ثنائية. (أولاً مبارك عليكو النجاح. فعلاً هذا إنجاز تاريخي إن جاز التعبير.. فضم الولايات والأمم إلى المباحثات إلى جانب "إسرائيل" وأمريكا يقوي موقف مصر التي كانت ستكون أضعف، وهي وحدها في مواجهة التنين الإسرائيلي ذي الأربعة ملايين! كان الولايات والأمم لم تكن هي التي أقامت إسرائيل! وتأمل شيطنة اليهود يجعلون رغبتهم مطلباً لخصمهم! وإني أعتقد أن "إسرائيل" كانت تريد للمتحدتين: الأمم والولايات أن تنضما لمساندة إسرائيل، لكن دع ذلك يبدو مطالبة من العرب ثم نستجيب! ودقي يا مزيكة!)

 

وعوداً حميداً مديداً سديداً إلى بطرس الذي نجحت مساعيه وفشلت. يقول بعد أن بشرنا فقال نجحنا، عاد فقال: "ولكن جهودنا تعرضت للفشل مرة أخرى لأن العرب، رفضوا مبادرة السادات، ولأن الإسرائيليين ظلوا يضغطون علينا من أجل صلح منفرد مع مصر يستبعد منه الفلسطينيون! (ولاحظ ما يريد بطرس. يريد أن يقول: لو وافق العرب لنجحنا! وهو في الحقيقة نجاح ل"إسرائيل" التي أرضخت كل العرب. ثم هو تمثيل عربي هندي مشترك. حتى تتقبل الجماهير الفيلم الرديء النص والإخراج، فلا بد من التقسيط. والآن العرب الرافضون –سابقاً- هم الذين يعرضون المبادرات، ويلحون عليها، ولا بديل عندهم عن المبادرات إلا المزيد والجديد والمفيد من المبادرات!)

 

يقول الغالي: "بدا لي أنه ليس ثمة شك في أن اجتماع الإسماعيلية قد فشل، فقد اتسم بالارتجال وعدم تنظيم المفاوضات، وكنت قد أعددنا (لاحظ الصياغة الإسكندرانية للغة العربية!) أعددنا دراسات ومذكرات وملخصات وأبحاثاً لكنها لم تقرأ ولم تستخدم. غلبني شعور بالفشل. (الفشل والنجاح نسبي يا عم بطرس. المهم أن السادات نجح وأخذ جائزة نوبل ولمع ولمع وغطى الصفحات الأولى من المجلات، وهذا هو المهم وهذا قمة النجاح ولو خسر الوطن والأمن والأمة والقضية والاقتصاد والأرض والشعب والدين والجغرافيا والتاريخ والسياسة والمجتمع والمحيط العربي.. كله مش مهم. طالما نجحت "إسرائيل" ونجح السادات، أيه المشكلة؟!)

 

نعود إلى فشل بطرس حيث يقول: "غلبني شعور بالفشل والاكتئاب (لا والله سلامتك) وكشف لي اجتماع الإسماعيلية جوانب متعددة من شخصية السادات. السادات ليس له صبر على التفاصيل. (لاحظ الفرق بينه وبين بني "إسرائيل" الذين يدرسون الحرف والكلمة، ويدرسون أي اتفاقية من الناحية السياسية والأمنية والقانونية والجغرافية والمائية والسكانية والاستراتيجية والطوبوغرافية والديموغرافية والأثرية والتاريخية.. فشتان بين مشرق ومغرب!) والسادات يفضل أن يترك القرار في التفاصيل لمساعديه (ليس عن دمقرطة) واسمع تفسير بطرس لسلوك معلمه: مما يسمح له أن يتخطاهم أو يغير ما اتفقوا عليه في اللحظة الأخيرة. ثم تكلم بطرس عن أن هدف السادات كان استعادة أرض مصر، يقصد أنه لا هم له فيما سواها. وأن السادات استخلص أن مصر لا تستطيع أن تبذل جهداً أساسياً لكسب الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ما دامت هناك أرض مصرية تحت الاحتلال.

 

يقول بطرس: وعلى النقيض من ذلك كنت على يقين من أنه لا يمكن لأي معاهدة للسلام أن تدوم إلا إذا تضمنت تدابير لحقوق الفلسطينيين حدها الأدنى تقرير المصير. (يهبط عليهم الكلام بعد مغادرة مواقعهم، أما وهم في الموقع فليسوا إلا سحيجة في زفة عرس السلام. كما ذكر لي قريب للواء عبد الغني الجمصي أحد أبرز أركان حرب أكتوبر أنه بعد ترك الوظيفة بنى مسجداً ولزمه. وهذا عمنا بطرس يكلمنا عن الثوابت بعد أن تزلزل عن منصبه وزال!)

 

نواصل مع عمنا بطرس: "السادات لا يتمسك بمؤتمر جنيف، ومن الواضح أن مؤتمر مينا-هاوس ليس في رأيه تحضيراً للعودة إلى جنيف بل تمهيد لمفاوضات مباشرة بعيدة عن الهيكل الشامل الذي يضم جميع الأطراف المتمثل في مؤتمر جنيف".

 

(هكذا هي المفاوضات العربية كنازل سلم لا يزال ينزل كل يوم درجة أو درجات، فأين شعار: "الأرض مقابل السلام" إن كنتم تذكرون. فلا حصل العرب الأرض ولا حصلوا السلام. يظنون أن السلام أهون من الحرب، ووالله إنه أعسر ويحتاج إلى كفاءة أكبر وإخلاص أكثر. لأنه في السلام يتم اصطياد العملاء من خلال حلقات المفاوضات وسهراتها وكواليسها. ونحن بالفعل نخسر في عمليات المفاوضات أكثر مما نخسر في المواجهات!)

 

وقد بات واضحاً أن هدف "إسرائيل" هو عقد صلح منفرد مع مصر، ولم يلبث بيغن أن أدرك أن أسلوب السادات في التفاوض يتيح ل"إسرائيل" الفرصة لإثارة الخلافات بينه وبين مساعديه. (ويا عقلاء إذا كانت "إسرائيل" تحول بين المرء وطاقمه أفلا تفرق بين القطر والقطر، وأجزاء النسيج في القطر الواحد؟! وإن أعظم إنجازات السلام أقصد ل"إسرائيل" أنها فسخت وفتتت العالم العربي، ثم أعاد ترتيبه وفق قبولها فيما يسمى معسكر الاعتدال والاعتزال وكله اعتلال!)

 

يقول الغالي الأمين العام غير الحالي للمبنى العالي في نيويورك: "وأخيراً كانت "إسرائيل" عاقدة العزم (غير عاقدة الحاجبين!) على التوصل إلى اتفاق حول النتائج العملية لاتفاق السلام، إذ كان المفاوضون الإسرائيليون يريدون حرمان المفاوضين المصريين من أهم ورقة في أيديهم (أيه هيه؟) وكان موقف المفاوض المصري ضعيفاً، (لو قالها غير بطرس لقالوا: العرب بيكرهونا ليه؟ ومش عاوزنا نحرر أرضنا ليه، وبيغيروا –بيغاروا- منا ليه؟ احنا عملنا لهم أيه؟ لكنها من بطرس وفي أعلى مواقع المسؤولية في مصر ومن جوا البيت.. لكن ياريت.. عمرا ما كانت بتعمر بيت..!)

 

يقول أغلى الغوالي الغالي بطرس حفيد بطرس وأبو يوسف الوزير الحالي للمالية المصرية التي في أسوأ الأحوال، يقول على التوالي: "وأسلوبنا في التفاوض يزيد من هذا الضعف. (ما هوه ده المطلوب!) وكان موقف "إسرائيل" في التفاوض قوياً، والمفاوضون الإسرائيليون يتحركون وفق خطة مدروسة من أجل تحقيق أهداف واضحة تتعلق بكل من الأمد المتوسط والطويل. وفي 27ديسمبر حضرت مأدبة العشاء التي أقامها الرئيس السادات في قصر عابدين تكريماً لهيلموت شميدت مستشار ألمانيا الاتحادية، وكان الطعام سيئاً غير لائق برئيس دولة أو حتى بمطعم من الدرجة الثانية. (وإذا كان القصر فاشلاً حتى في تقديم الطعام، أفينجح في إعداد خطط للنهوض بالزراعة والصناعة والاقتصاد، علماً بأن صناعة الطعام تحسنها الفلاحات في الغيط، لكنه سوء الاختيار يلاحقهم حتى في هذه الناحية التافهة، فهل يحسنون اختيار طواقم المفاوضات ما داموا فشلوا في طواقم الطواجن والطناجر!)

 

وفي الحلقة القادمة يحدثنا بطرس عن وزير خارجية مصر الذي لم يقم طيلة حياته الدبلوماسية الطويلة بزيارة بلد عربي غير مصر، وعن مفاجأة صادرة عن جيمي كارتر.. فإلى الحلقة التالية.