الثقافة بين الواقع والمأمول

نشر 14 نوفمبر 2010 | 09:03

ينبغي أن نعترف أن الكثرة الكاثرة منا متعلمون، نعم.. ولكنها ليست مثقفة, فالثقافة شيء والتعليم شيء آخر, وينبغي أن نعترف أن كل مثقف متعلم, وليس كل متعلم مثقفاً, فإن اعترفنا بذلك، وأن ذلك مرض ينبغي التخلص منه نكون قد وضعنا أقدامنا على أول الطريق، خاصة ونحن أصحاب قضية لا يصلح معها المتعلمون فحسب، بل المثقفون.

 

والمثقف هو الذي يستطيع أن يتخذ الموقف المناسب حسب معايير دقيقة للصواب والخطأ؛ للحضارة والفكر والتراث، وللإنسانية بمعاني العدل والخلق والحريات, لا تلك التي يضعها غير المثقفين، وهو الذي يختار المنهج السوي كمرجعية لتفاعله مع الحياة بمختلف جوانبها السياسية والاقتصادية والفكرية والاجتماعية؛ بإحاطة دقيقة وفهم عميق، ليتحول المنهج إلى سلوك يصبح سمة ملازمة مرنة قابلة للزيادة والتهذيب والتعديل والحذف، وينبغي أن نعترف أن أكثريتنا لا تعرف الكثير عن قضيتنا الأقدس والأهم؛ تاريخاً وجغرافية وسياسة واقتصاداً.

 

كما لا تعرف الكثير الكثير عن الفكر الصهيوني ؛ الثابت فيه والمتغير ... بل لا يعرفون إلا القليل عن بلداتنا و مدننا و قرانا، مما يضعف الانتماء لها، وبالتالي يضعف الدافع للتضحية من أجلها، ويزداد الأمر خطراً كلما ضعفت (المعرفة) لدى أحدنا ، والتي هي مقوم أساسي للثقافة، حتى لتصل به إلى الانحياز إلى الطرف المعادي والتماهي مع روايته، وإن كانت ناسفة للرواية الحقيقية التي يدركها المثقفون منا، ويتفاقم الأمر خطورة إذا ما تحصل على معرفة ولم تشكل له منهج حياة وسلوكاً، فيمسي ويصبح غير متصالح مع ذاته, فما يعلمه في واد وما يلزم نفسه به في واد آخر، في انفصام شنيع بين الذات والموضوع، فيصبح تبريرياً أو ذرائعياً , يتحدث عما يعلمه في المجالس العامة, وأما في مجالسه الخاصة فبسلوك مغاير تماماً، وإذا ما سئل أجاب بقوله: (القوي عايب) وهو ما برر به عباس انجراره المهين لمشروع السلام الصهيوني الأمريكي، رغم فشله في تحقيق الحد الأدنى من حقوق الشعب الفلسطيني, مما يدركه المثقفون الحقيقيون فأنكروا ذلك واتخذوا موقفاً مغايراً وإن جرّ عليهم الألم والملاحقة التي قد تصل بهم إلى القتل، الذي يصبح هيناً فداءً للمبادئ التي يعتنقونها .

 

إن القضية في أمس الحاجة لهذا الصنف من المثقفين لما يمثله من أهمية في استكمال الجبهة التي تتصدى للمشروع (الثقافي الصهيوني) والذي يبرر العدوان والظلم والنهب كوسائل لتحقيق أهدافه في استكمال اغتصاب الأرض الفلسطينية ومقدساتها، ونفي أهلها إلى الماوراء أو تحت الثرى , فإن أدركنا كل ذلك وأدركنا أن الثقافة (صناعة) تبدأ منذ الساعات الأولى لعلاقة الإنسان بالقلم والكراس، تعين أن نضع الخطط الاستراتيجية ذات المرامي والغايات الكبيرة والتي تمتد حدودها إلى استعادة الحقوق كل الحقوق التي يدركها المثقفون في مختلف جوانب الحياة.

 

ووجدت من الإسناد المتزايد من (السلوك) المعرفي الملتزم ما يقويها، فإن سلمنا بذلك وأوجدنا الحوافز المتنوعة والمتجددة التي تستثير الرغبة المتجددة بالمطالعة كي تصبح في حد ذاتها ثقافة، لا تبعث على الملل ولا السأم، بل النهم والطموح والحرص على الاستزادة نشأ لدينا جيل مثقف, وإن تطلب ذلك مزيداً من البذل والعطاء, ونجم عنه المشقة وضيق ذات اليد، فما من مثقف يعتد بثقافته إلا وأتعب جسده وأرهق حواسه وحرم نفسه – في الغالب – اللذائذ، وهذه مهمة المدرس في المقام الأول وفي كل مراحل التعليم حتى مرحلة التأسيس , فمما اتفق عليه التربويون أن أضعف الفصول ينتدب لها أقوى المربين, فإذا أردنا بناء جيل مثقف فيجب أن يكون المعلم مثقفاً... وإلا ففاقد الشيء لا يعطيه.