كل أمة وملة وحضارة تحتفي بمناسباتها التاريخية والوطنية والدينية، وفي ثقافتنا محطات تزويد للوقود الايماني والاخلاقي والاجتماعي... محطة في العمر اسمها «الحج» ومحطة في السنة اسمها «رمضان» ومحطة في الاسبوع اسمها «صلاة وخطبة الجمعة» ومحطة في اليوم اسمها «الصلوات الخمس»...
ولما كانت المناسبات - بكل أنواعها - تحمل خصوصية بيئتها الثقافية فللمسلمين مناسباتهم ذات المرجعية الايمانية وقد لخصها بعض الحكماء فقالوا: (لله تعالى خواص من الاماكن والايام والناس)... والحج يجمع بين خصوصية الزمان والمكان... وقد لخص القرآن الحكمة من هذه الشعيرة فقال: (ليشهدوا منافع لهم) فما من عبادة إلا وتجمع بين التربية الذاتية للنفس والاثر الايجابي على المجتمع... استوقفني بعض طلبتي وسألني بعض الناس: هل صحيح ان ذبح الأضحية في خارج البلد يجعلها تفقد صفة الأضحية وتتحول الى صدقة وبهذا نكون خالفنا السنّة وفوتنا على أنفسنا أداء الشعيرة؟! وعلمت انهم سمعوا فتوى قديمة أو حديثة حول الموضوع ما أحدث لديهم شكاً وبلبلة.
وبدوري توجهت الى الدكتور عيسى زكي الذي عمل في الموسوعة الفقهية في وزارة الاوقاف لسنين طويلة وكان عضو لجنة الفتوى فيها والزميل في قسم الدراسات الاسلامية في الهيئة العامة للتعليم التطبيقي، وطلبت منه ان يكتب لي اجابة تفصيلية بالجواب كي نزيل اللبس عن أذهان الناس فأرسل مشكورا ما نصه:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه.
الموضوع: (حكم ذبح الأضحية وتوزيعها خارج بلد المُضحي).
الأضحية من العبادات المالية، وبهذا الاعتبار فإنها تقبل النيابة باتفاق الفقهاء شأنها في ذلك شأن العبادات المالية، كالزكاة والصدقة والنذر والكفارة ونحوها، وذلك لأن المقصود بالعبادات المالية هو ايصال المال الى مستحقه، وهو حاصل بفعل مؤدي العبادة المالية او بفعل نائبه، إذ ان ما يجوز للانسان ان يباشره بنفسه من اعمال يجوز له ان يوكل غيره بها طالما انها تقبل الوكالة.
ومع ان ذبح الأضحية على المضحي كأن يأكل منها لقوله صلى الله عليه وسلم: «اذا ضحى أحدكم فليأكل من أضحيته»... ويشهد ذبحها لقوله صلى الله عليه وسلم: «يا فاطمة قومي الى أضحيتك فاشهديها» بل ويباشر ذبحها إن كان قادرا على ذلك.
إلا ان تفويت بعض السُنن قد يغتفر لما يترتب على ذبح الأضحية في غير بلد المضحي من الكثير من المقاصد الشرعية، منها ايصال لحوم الاضاحي الى فقراء المسلمين في دولهم الفقيرة وسد حاجتهم من الغذاء وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته»، ومنها إحياء روح التكافل بين المسلمين بمساعدتهم وإدخال الفرح والسرور الى قلوبهم في أيام العيد وإشراكهم في إحياء شعيرة الأضحية، ومنها التيسير على المضحين الذين لا يستطيعون التضحية في بلادهم بسبب غلاء أثمان الأضاحي بينما يمكنهم ذلك في خارج بلادهم لرخص الثمن.
هذا فضلا عن ان هذه المقاصد يتعدى نفعها صاحب الأضحية نفسه فتكون أولى بالاعتبار، وترك هذه السنن لم يقع تهاونا بها او إعراضا عنها إنما هو من قبيل ترجيح المصلحة الاولى بالاعتبار على غيرها، وعليه فلا مانع شرعا من التوكيل والانابة في ذبح الأضحية خارج بلد المضحي لعدم ورود النهي عنه ولما تقدم بيانه من جواز الانابة في العبادات المالية، وتستوي في ذلك الانابة في بلد المذكي او خارجه. وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصلى اللهم وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه.