هذا عنوان مقال لمحيي الدين عميمور، وهو تلخيص لكتاب عنوانه: "طريق مصر إلى القدس" وأما الكاتب فهو بطرس غالي، وهو كما وصفه المقال: الأستاذ الجامعي ووزير الدولة السابق، والأمين العام الأسبق لمنظمة الأمم المتحدة.
وقد نشر المقال مجلة "وجهات نظر" المصرية الرصينة في عدد أكتوبر2010 تحت عنوان: "قراءة في كتب قديمة".
يقول عميمور إنه من خلال قراءته لكتاب "كلام في السياسة" للأستاذ الكبير هيكل، وجده قد استعرض بعض معطيات الكتاب، فقرر أن يقرأه، وأن يستنتج بنفسه الخطأ والصواب من كتاب المثقف الذي كان أحد كبار مهندسي الاتفاق المنفرد بين مصر وإسرائيل، والذي يراه كاتب المقال أي هذا الاتفاق: بداية البداية لكل ما عرفته المنطقة حتى نهاية العشرية الأولى من القرن الميلادي الجديد.
ثم يصف كاتب المقال كتاب بطرس بأنه "يتميز بنزاهة الأستاذ الجامعي الذي يستعرض الوقائع كما هي، ويثمن الرجال كما عرفهم، ولا يحاول أن يكون غير ما هو بالفعل، ولا يبالي بما يمكن أن يفلت منه، ولو كان يمكن أن يسيء إليه.
قال الكاتب عميمور: وأتصور أن هذه النزاهة هي من أهم ما يذكر للكتاب، وأن هذا هو ما جعله يستعرض صفحاته، وأنه سينقل نصوصاً كاملة منه، والحرص ألا يشوه المضمون، وقال إنه سيلتزم الصمت أو يتفادى التعليق على الفقرات، لأنه لا يريد أن يتدخل في الحكم النهائي للقاريء. ولكنه سيعقب بعد الدراسة المرهقة التي يقوم بها لأول مرة في حياته. وأعاد في نهاية المقال أنه لم ترهقه دراسة قام بها كما أرهقته هذه القراءة..
وإنما ألخص الملخص لأهمية الموضوع، وخطورة خطوة السادات، والتاريخ يعيد نفسه ولا أحد يتعلم، ثم إن المطلعين والمطالعين لوجهات نظر قلة قليلة شأن المجلات الرصينة. وقراء السبيل جديرون بأن نقدم لهم خلاصة ما نراه مهماً من مطالعاتنا. وسأضع تعليقات خفيفة حيث يلزم..
لاحظ عميمور ملاحظة ذكية قبل استعراضه للكتاب فقال: "أسجل انطباعي بأن أسلوب التعبير في الكتاب قد يوحي بأن تفكير الكاتب عند صياغته لم يكن دائماً باللغة العربية".
وتحت عنوان: "السادات يختارني" كتب بطرس يقول: يوم 25/ 10/ 77 يوم عادي في حياتي الجامعية، ثم يحكي كيف أنه كان في المطار يستقبل زوجته ليا العائدة من إيطاليا (إيطالية فيما يبدو وهي فيما أعلم يهودية) ولمحته في المطار صحفية بالأهرام، فركضت نحوه منفعلة وهي تقول: إن رئاسة الجمهورية كانت تبحث عنك في كل مكان أين كنت؟ ألف مبروك الوزارة..
ودخل بطرس قصر الدوبارة الذي كان قصر الأميرة شويكار أولى زوجات الملك فؤاد، وقال إن الأميرة صديقة أمه، وأنه حضر حفلات في القصر على شرف فاروق. (رجل كل العصور يعني) في الساعة (11) مساء استقبله ممدوح سالم رئيس الوزراء. وحاول بطرس أن يعتذر كما قال بدعوى أنه قد طبقت عليه قوانين الاشتراكية وثروة زوجته وضعت تحت الحراسة (يؤكد ما قلته قبل قليل عن زوجته!)
ويواصل بطرس كلامه لممدوح: إن قوانينكم جعلتني عدواً للشعب ونحن لا نتمتع بسمعة طيبة.. فقال ممدوح: الوقت تأخر والمرسوم صدر وأنت عضو في الوزارة التي أذيعت أسماؤها. وقال بطرس: السادات في سعيه لتوثيق العلاقات مع الغرب لم يكن لديه اعتراض على استخدام شخصيات ينظر إليها على أنها موالية للغرب، حتى إذا كانت تنتمي إلى النظام القديم.
في يوم 26/ 10/ 77 توجهت إلى قصر عابدين لأداء اليمين، وانتابني الانفعال والخوف من ألا أتمكن من ترديد القسم بلا خطأ. خلعت نظارتي وتلوت اليمين متمهلاً. وفجأة انتشر شعور بالمرح وشرع زملائي الوزراء في تهنئة بعضهم والتقاط الصور. (المرحلة دقيقة جداً والمسؤولية جسيمة جداً وهؤلاء يهنيء بعضهم بعضاً، وهيصة بقى). يقول: وبسبب عدم انتباهي وجدت نفسي في بقعة متواضعة في الصف بينما زملائي (الوزراء الجدد) كانوا يقومون بمناورات استراتيجية مدروسة لشغل موقع ظاهر في الصورة. (ماذا نقول؟ مناورات استراتيجية ومعارك تكتيكية في المواقع التفصيلية التصويرية طالما لا مكان لنا في المواقع الاستراتيجية الحقيقية والمعارك المصيرية الفعلية، وما دام السادات هو الرقم الصحيح والباقي أصفار في الجهة الشمالية..) (ثم قال بطرس يؤيد ما أقول قبل قليل): "في مصر، ومن العصور الفرعونية حتى اليوم، ما زالت التقاليد تمجد الحاكم، فالمرء إما أن يكون من الحكام أو لا يكون شيئاً، ولذا فإن أعلى منصب يطمع فيه المرء هو خدمة الحاكم!" (لا تعليق على كلامه، والسادات عموماً كان يرى نفسه فرعوناً وإن نفت جيهان فهذه هي الحقيقة. ولطالما كرر مصر حضارة عمرها 7آلاف سنة. والسادات وبطرس كلاهما لا يذكر مصر الإسلامية طبعاً!)
ثم قال بطرس: "في الصباح التالي قمت بزيارة رسمية للبطريرك قداسة الانبا شنودة رئيس الكنيسة المسيحية القبطية. وكانت الكاتدرائية القبطية الجديدة قد بنيت ملاصقة للكنيسة البطرسية التي أقيمت إحياء لذكرى جدي بطرس غالي رئيس الوزراء. وقد كانت الكنيسة القبطية في وقت من الأوقات من كبار ملاك الأراضي في مصر وتتمتع بثراء كبير. ولكن بعد الثورة تضاءلت ممتلكاتها بسبب قوانين الإصلاح الزراعي المتعاقبة".
وهنا لا بد من تعليق.
أولاً: زيارة بطرس في اليوم التالي لتوزيره للبابا شنودة وبطرس علماني، كما يزعم، وشنودة ليس رجلاً سياسياً كما يزعم، فلماذا في كل همسة يستشار في مصر شنودة، وفي لبنان صفير؟ وفي دينهم: دع ما لقيصر لقيصر. وفي ديننا: إن الحكم إلا لله. ومع هذا فالشيخ لا في العير ولا في النفير، والبابا يستشار في الصغير والكبير من قبل الصغير والكبير؟
والتعليق الثاني: على كون الكنيسة من ملاك الأراضي بل من كبارهم، هذا شهدته بنفسي في فلسطين، فجدي لأمي بعد الهجرة كان يعمل في أرض الدير مناصفة.. وأرض الدير تملكها الدير من إقراض الفلاحين، وصدق في جدي وفي أمثاله المثل (أحرث وأدرس لبطرس). وهو الذي كان من كبار الملاك. أيام! وقد عرفت من وكلاء الدير في الأرض عدداً، وكانوا يحضرون البيدر ويأخذون نصيب الدير من البيدر!
وأما ثالثاً: فإن عبد الناصر على رغم كل ما يقال كان قد وضع تمدد الكنيسة في حجمه حتى جاء العهد المبارك فتمددت وتمططت وشمخت وتطاولت وتعرضت وسعت في الفتنة الطائفية وسكتت الدولة وصمتت وخرست..
وأما التعليق الرابع: فقد تولاه عميمور إذ قال: اغتال وطني مصري مسلم -اسمه الورداني- بطرس غالي الكبير، جد مؤلف الكتاب الذي يصر على الانتساب للجد، ربما كنوع من العناد أكثر من كونه موقفاً سياسياً".
ونعود إلى بطرس (غير الناسك) الذي قال: وقضيت الأيام التالية في زيارة زملائي للاستفسار عن واجباتي، وتبين لي أن وزير الدولة وزير بلا وزارة، وأن عليه أن يكافح حتى يجد ما يعمله.
واستغرق تجهيز مكتبه أكثر من عشرين يوماً. يقول: يوم الأربعاء 16 نوفمبر أصبح مكتبي الجديد جاهزاً لشغله أخيراً. وتلقيت مكالمة تطلب مني التوجه لمقابلة رئيس الوزراء، وطلب مني ممدوح سالم أن أذهب على الفور إلى قصر العروبة، مقر نائب الرئيس حسني مبارك.. (تعليق هنا: كان السادات يرفض تعيين نائب رئيس كعرفات وكذا الرئيس مبارك. ولكن أمريكا فرضت على السادات الضابط حسني مبارك كنائب رئيس. ومحمود عباس على عرفات، ثم سلام فياض فرضته على عرفات فألجمه بلجام).
المهم. نعود الآن إلى قصر العروبة (هيه فين وهل لها قصر أم "قصور"؟) يقول بطرس: ودخلت أحد الصالونات، وبعد دقائق دخل مبارك مبتسماً ودوداً وقال: الرئيس السادات معجب بكتاباتك السياسية والفكرية، ويعرف اتصالاتك بالدوائر الدولية، ولذا قرر أن يكلفك بعمل هام وسري، فهو يطلب منك إعداد الخطوط العامة لكلمة يلقيها يوم الأحد المقبل، في إسرائيل.
(وهنا تعليق: ما هي الدوائر الدولية وما طبيعة الارتباطات بها؟ ومن المسيطر على هذه الدوائر؟ وهل الارتباط بها يمكن أن يكون مع كون المرء وطنياً مخلصاً لوطنه وأمته؟ وما معنى الارتباط إذا كنت مخلصاً لوطنك؟ وهل يقبل هؤلاء الذين ترتبط بهم أن تكون وطنياً؟).
يقول بطرس: قبل ذلك بأيام عندما كنت أحاول أن أعثر على مكتبي الوزاري، كان واحد من الأمريكيين اليهود الذين يمثلون حركة "السلام الآن" قد جاء يسألني إذا كنت أستطيع أن أقنع السادات بأن يبعث برسالة تحية إلى مؤتمر السلام الآن الذي سيعقد في القدس برئاسة "بيير منديس فرانس" رئيس وزراء فرنسا الأسبق. وقلت لمحدثي: لا يمكن أن يوافق السادات على شيء كهذا، ومع هذا بعثت بتلكس إلى الرئاسة بشأن هذا الطلب، وبعد ثلاث ساعات تلقيت برقية من السادات نصها: "أوافق. قم بإعداد نص الكلمة". وقد رأى الإسرائيليون في تلك البرقية أول طيور الربيع، وقد اكتشفت فيما بعد أن يداً قد أزالت تلك الكلمة من الأرشيف.. والأرجح أن ذلك بسبب قيمتها التاريخية.
(واضح أن الرئيس السادات جاهز، مستوي يعني، فما أن نصب الشبك حتى وقع العصفور براحته واختياره. وواضح أن حركة "السلام الآن" وهي التي يظنها البعض حركة مضادة هي تحت السيطرة بل هي ذراع لهم، بدلالة أن مجرد تحية السادات لها اعتبرت أول طيور الربيع.. والبدر هلت أنواره!).
وعود إلى بطرس، حيث يقول: في يوم 18 نوفمبر77 عندما دق جرس التلفون، كان المتحدث مكتب مبارك يبلغني أن نص الخطاب مطلوب على الفور. دق جرس التلفون ثانية كان مكتب مبارك أيضاً، ليخبرني أنه قد صدر قرار بتعييني في منصب وزير دولة للشؤون الخارجية، وقائماً بأعمال وزير الخارجية، وبهذه الصفة ستنضم إلى الوفد المصاحب للرئيس في زيارته لإسرائيل غداً السبت. (هلت ليالي.. يا عم يا بطرس يا غالي.. ولم تقل لنا سر القفز العالي.. والترقي المتوالي.. وهل وراءه "إسرائيل" أم وراءه الوالي.. أو الصدر الأعظم أو الباب العالي.. أو مديح الظل العالي؟).
وذكر لنا بطرس أن إسماعيل فهمي ومحمد رياض (لا أدري لعله محمود رياض) كانا قد استقالا، وكان أولهما وزيراً للخارجية وثانيهما وزير دولة للشؤون الخارجية. وكانت الصحف العربية تكتب عبارات مسمومة تقول: ليس هناك مسلم يقبل مصاحبة الرئيس، ولذا اختار المسيحي بطرس غالي المتزوج من يهودية (هذه شهادة صدقت ما قلناه والحمد لله).
قال بطرس: وغمرت الأضواء سلم الطائرة المصرية التي كانت قد هبطت في المطار الإسرائيلي، وانتهت مراسم الاستقبال الرسمي على عجل، وفي سيارة تنطلق إلى القدس جلس إلى يساري موشي دايان وزير خارجية إسرائيل، وقال لي: إنه يريد مني أن أنقل رسالة إلى الرئيس السادات: إذا تضمنت كلمته في الكنيست أية إشارة إلى منظمة التحرير فذلك لن يجعل من السهل سيادة الجو الجديد من المصالحة الذي نريد تشجيعه.
في الحلقة التالية يتحدث بطرس غالي عن زيارة الأقصى وكنيسة القيامة والخطاب الذي ألقاه السادات في الكنيست وأصداء الخطاب!