ياسر عرفات

نشر 12 نوفمبر 2010 | 10:28

برز اسمه بعد هزيمة المشروع القومي العربي الذي انعقدت عليه آمال العرب عامة والشعب الفلسطيني خاصة من التشرذم والاغتراب وهما من مخلفات الاستعمار القديم حسب تسمية عبد الناصر، ولقد شهدت سنوات الخمسينيات والستينيات تحولات تاريخية على الساحة الفلسطينية ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بهذا المشروع الذي كان يوصف بالتحرري، ابتدأت بشكل عمل جماعي عربي من خلال مؤتمر القمة العربي الأول الذي دعا إليه عبد الناصر فانعقد يومي 13 – 14 يناير 1964.

 

وكان من أبرز قراراته تشكيل كيان للشعب الفلسطيني يتمثل في مؤسسة (م.ت.ف)، على أن تتولى تشكيل نواة جيش تحت اسم جيش التحرير الفلسطيني ، وعلى أن تقوم الدول العربية بإمداده بالمال والسلاح، وتدريب كوادره، وفتح أبواب الكليات الحربية أمام الشباب الفلسطيني، لتحقيق آماله وتحقيق غاياته في تحرير وطنه من البحر إلى النهر، ومن الناقورة إلى العقبة.

 

كما اتخذ المؤتمر قراراً بتعيين الفلسطيني أحمد أسعد الشقيري مندوب السعودية الدائم في الأمم المتحدة رئيساً، وإن هي إلا سنوات ثلاث ونصف السنة حتى أصبح كل ذلك أثراً بعد عين، بعد أن دك الجيش الإسرائيلي جبهات عربية أربع، فانهارت في الساعات الأولى من صباح 5/6/1967 ليتمزق جيش التحرير الفلسطيني، إلا قليلاً اتخذوا لأنفسهم (قوات التحرير) اسماً، التي أخذت تقاوم الاحتلال في غزة حتى وجه لها شارون ضربة هائلة استشهد بسببها من استشهد وأبعد من أبعد وغيب آخرون وراء القضبان ...

 

وفقد العرب ثقتهم بأنفسهم رغم لاءات مؤتمر القمة (الخرطوم) الثلاث (لا للاعتراف بـ(إسرائيل) لا تفاوض معها ولا تنازل عن الأرض العربية) ومن خلال تلافيف ليل الهزيمة الحالك برز اسم حركة فتح التي مضى على رصاصتها الأولى عامان ونصف العام من يوم الهزيمة النكراء التي أطلق عليها عبد الناصر (النكسة) ... فأخذت توجه للكيان الإسرائيلي ضربات موجعة أفقدته نشوة الإحساس بالنصر، مما اضطره إلى شن حرب بالغة الحماقة والتهور.

 

فقد اجتازت دباباته نهر الأردن إلى حيث الكرامة (مارس 1968) فتكبد خسائر لم تكن في حسبانه؛ الأمر الذي أحيا الأمل في نفوس العرب بأن هناك فئة لا تزال على قيد الحياة، لمعت من بينها اسم قائدها ياسر عرفات (أبو عمار) الذي احتل بعد حوالي السنتين من هزيمة يونيو موقع أحمد الشقيري في رئاسة (م.ت.ف) ليخرج ياسر عرفات الفدائي إلى ياسر عرفات (الرئيس) ...

 

كان نصر الكرامة حافزاً لآلاف من الشباب الفلسطيني الظامئ للثأر أن ينضم (لفتح) عرفات، وعلى الساحة الأردنية حيث التجمع الفلسطيني الأكبر، وبانضمامهم وعنفوانهم وما يمثلون من خطر على النظام الأردني (حسب التقديرات الأمنية الأردنية سنواتئذ) وعلى الكيان الإسرائيلي كان القرار بطرد عرفات ومنظمته من الأراضي الأردنية، وما كان ذلك إلا بحرب ضروس شنها (الجيش العربي) على الجيش الفلسطيني فأباد خضراءه، وذهب عشرات الآلاف ضحايا؛ لينتقل عرفات إلى الساحة اللبنانية التي لم يمكث فيها إلا سنوات خمس أو ست حتى كانت الحرب الأهلية اللبنانية التي زج عرفات فيها قواته، إلى جانب الاشتباك اليومي؛ سياسياً وعسكرياً مع القوات الصهيونية، فشنت تلك القوات عليه وعلى جيشه حرباً شاركت فيها قوات لبنانية ارتبطت مع الكيان الإسرائيلي بمصلحة عليا هو التخلص من الوجود العسكري الفلسطيني، فتم لها ذلك سنة 1982 لتتشتت قوات عرفات في الأراضي العربية الأبعد عن الكيان (اليمن –الجزائر - تونس - السودان ...)

 

وتمضي سنوات عشر على عرفات حتى يبرم مع أعدى أعدائه صلحاً اعترف بموجبه بـ(إسرائيل)، ليشطب من الحق الفلسطيني ثلاثة أرباعه أو يزيد ... ليدخل القضية في نفق مظلم عفن اسمه أوسلو! لم يغفر الصهاينة لعرفات عداءه لهم، فقتلوه بأيدي عملائهم من المحيطين به، ولم يشفع له عندهم اعترافه بكيانهم، ولا حرصه على صناعة السلام معهم، ولا نبذه للإرهاب (حسب مصطلحهم) ولا صداقته (من جانبه) لرابين، ولا ملاحقته لحماس وزجها في سجونٍ أعتى من الباستيل، ليمضي عرفات، وتنطوي صفحته الأكثر حروفاً وكلماتٍ وجملاً وتفاصيل؛ كان السطر الأخير منها حزيناً، يصلح أن نقرأ فيه (مخطئ من ظن يوماً أن للثعلب ديناً) فلقد أخطأ عرفات خطأ جسيماً إذ آمن للصهاينة رغم تاريخه الحافل في النضال، الذي ختمه - ولا شك - بعدم التنازل عن القدس عساها تشفع له عند بارئه.