باب هلاك الأمم

نشر 12 نوفمبر 2010 | 10:24

أمام العديد من الجرائم وقصور العدالة الأرضية عن الوصول إلى المجرم فلا تطاله وهو يضحك، أو أحيانا عجز العدالة الأرضية حتى لو قُتِل القاتل، فماذا نفعل أمام راتوك ميلاديج الذي كان خلف مذبحة سيربرنيشكا في البوسنة، فذبح في يوم واحد سبعة آلاف من العزل مقرنين، هل لو قتل سيعدل الآلاف؟

لنؤمن إذا بثلاث: أن القتل ليس أسلوبا لحل المشاكل، وأن العدالة الأرضية فيها من القصور الكفاية، ولذا قال الرب إن الآخرة هي دار القرار، وإنها خير وأبقى، وإنه لا ظلم فيها، بل يضع الرب ميزان القسط، فيقوم بالعدل.

ولو كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين. فيجازي السيئة بمثلها وهم لا يظلمون، ويجازي الحسنة بعشر أمثالها.

وثالثا أن البشر يسعون لتحقيق العدالة في الأرض، وهذا هو الإٍسلام الذي أنزله الرب كما أنزل الحديد ليقوم الناس بالقسط.

وكل مجتمع يحقق كمية أكبر من العدل هو أقرب إلى الله من تلك التي تشرب من خمر الظلم فتسكر وتهوي.

ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لايعلمون إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا.

كذلك علينا أن نستوعب أن مصائر العباد لا تتحدد كلية في الأرض مكافأة أو عقوبة، بل سيكون هذا في يوم لا ريب فيه، فتوفى كل نفس ما عملت، ولا يظلمون نقيرا.

وكل نفس بما كسبت رهينة ومن عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها.

قرأت قبل أيام عن قصة قتل الفنانة سوزان تميم ذبحا، فقلت في نفسي رحمها الله، فقد رجعت إلى ربها وهي بأمس الحاجة لهذه الرحمة، فقد ضيعت عمرها وشبابها، وماتت في قمة فتنتها، فتنة للمفتونين وآية للمتوسمين..

إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم.

كيف يحدث ما حدث؟ وينجو القاتل بالتقسيط؟ إنها مهزلة العدالة الأرضية أليس كذلك؟

كل المشكلة هي في الفساد البشري، فكيف ينجو من ملك المال والنفوذ ويشنق الفقير والأجير.

إنه باب هلاك الأمم ـ كما وصف المصطفى صلى الله عليه وسلم ـ أنه أهلك من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد.

 

وفي هذه نتذكر قصة جبلة بن الأيهم الذي وطأ أعرابيا في الحج وكان قد أسلم من قريب، ثم هرب والتحق بملك الروم وارتد حين عرف من عمر أنه سيقاضيه، ولو كان شريفا من العرب فيلطمه البدوي كما لطم هو البدوي بغير حق.

وفي هذا الصدد نتذكر العدالة القرآنية حين نزلت عشر آيات من سورة النساء لتبرئة يهودي اتهم ظلما بسرقة درع من بيت أنصاري فتنزلت الآيات المحكمات تتلى إلى يوم التناد لتطلق سراحه وتعيد له الاعتبار.

هنا نعلم إلى أي مستوى يمكن أن تتحقق العدالة وكم خسر مجتمعنا هذه القيم التي بها ارتفع.

أذكر قصة الصحابي الذي ذهب إلى يهود خيبر فأرادوا رشوته فقال تعلمون والله يا معشر يهود أنكم أبغض إلي من القردة والخنازير، ولكن هذا لا يمنعني من إقامة العدل فيكم. فقالوا بصوت واحد على هذا قامت السموات والأرض.

نعم هنا اتحدت الإرادة الإنسانية مع القانون الكوني فيقول القرآن وما رميت إذا رميت ولكن الله رمى. لقد كان المسلمون رمية التاريخ الموفقة.

لنقرأ بخشوع الآيات العشر من سورة النساء: إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما. تابعوا حتى النهاية.

وأراهن على من يمسك دموعه وهو يقرأ هذه الآيات ثم يسمع قصة محاكمات العالم العربي لتبرئة أصحاب المال والنفوذ ولو قتلوا وثبتت عليهم الجريمة. أين كنا وإلى أين انحدرنا؟