التقرير الذي بثته ال BBC حول قطع الرواتب يوجب التوقف عنده مليا ، ولا بد في بداية الوقفة من الإشارة إلى أن هذا الإجراء كان خط مطلقا، وقد نوه إلى ذلك وصرح به الكثير من الغيورين على النسيج الفلسطيني وفي مقدمته الأسرة ، فهذا الراتب ليس ملكا (للموظف) المعاقب بل حق زوجته وأولاده ، فضلا عن أنه حقه حتى يعيش الجميع بكرامة ، وإذا كان هناك من اختلافات على الساحة فينبغي ألا تغادر طاولة الحوار ، أو قاعات المحاكم ، لكن أن يحارب من لا ذنب له بخطأ غيره ( هذا إن سلمنا بالخطأ ) فهذه جريمة أشد وأقبح ، ومقترفها هو سلام فياض في المقام الأول ، ثم عباس إن رضي ، وقد يكون هو الأول ثم سلام ..
وتلك الجريمة التي أصبحت مركبة بعد أن تولدت عنها جريمة أخرى لازمتها ولم تنفصل عنها ، فقد أفرزت فئة من الوشاة ورافعي التقارير الكيدية كما وصفها أمين سر حركة فتح – غزة ، مما أوغر الصدور ، وزرع الأحقاد في القلوب ، تجاه ( هؤلاء) ، إضافة إلى نظرات الاحتقار والازدراء التي تلسع وجوههم وأقفيتهم، ممن يفترض أنهم زملاؤهم بالأمس القريب ، لما يقترفون من سلوك أخلاقي دميم هو أقرب إلى الجاسوسية منه إلى العمل الوطني الشريف ، وبالنظر إلى الهدف من ذلك فلا يمكن أن يراه هدفا ساميا ولكنه رخيص وتافه، إذ ينحصر في صرف العامل عن العمل مدرسا كان أو طبيبا أو سباكا ..
رغم أن العمل حق وواجب يمليه الوطن على المواطن خاصة أولئك الذين يتقاضون أجرا ، مما ينبت فيه من الكسالى هم أقرب إلى الكائنات الطفيلية والعالة الذين يشكلون ( زوائد ) تزيد الأعباء على كاهل الوطن ، ويكونون معاول هدم و قدوات سيئة يخشى أن يحذو أولادهم حذوها، ولا يزيد شأنهم من شأن اللصوص أو قاطعي الطريق ، وإذا ما وجد فيما بينهم مكره أو رافض ، فأولئك يقعون هدفا لسياط الضمير والفراغ والملل، وما يعصف بهم من حسرة وندم ونقمة على من كان السبب ، مما أثر بالسلب على صحتهم النفسية ، ودفعهم إلى الانزواء خجلا مما يقترفون ، ناهيك عما أصاب طاقاتهم البدنية والذهنية من ترهل، وما أصاب من كفاءاتهم العلمية من تآكل، وما أصاب مواكبتهم لكل جديد من تخلف وتقهقر ..
ولقد فاجأني غسان الخطيب وهو يتحدث عن هذه الجريمة بالتهوين وإنكار اتخاذ قرارات تعسفية بناء على تقارير كيدية وهو ما أثبته المتضررون ، ولكنه سماه ( خطأ يمكن علاجه ) على أن تدرس كل حالة على حدة ، فإن تبين خطؤها فستزمع رام الله على علاجها لأقول ويقول كل غيور : لا بأس ، فالرجوع عن الخطأ خير من التمادي في الباطل على أن يسترد ( الجميع ) حقوقه كاملة غير منقوصة وبأثر رجعي ، أي من يوم أن قطع الراتب إلى يوم وصله ، لأنهم أصحاب حق ، ومظلومون ، وأما رام الله فقد أخطأت،وهي التي سلبت الحق وهي التي ظلمت ، فعليها أن تؤدي الحقوق إلى أهلها، خاصة بعدما تبين أن الهدف باطل ، وكل وسيلة للوصول إليه كانت أشد بطلانا ، وأن ما بني على باطل فهو باطل .. وفي يقيني أن إصلاح الخطأ بهذه الطريقة هو مؤشر صحيح وصريح على نية رام الله الصادقة لعقد المصالحة ، والترفع عن الأحقاد ، والالتزام بالقانون..