شن وزير السياحة الإسرائيلي حملة ضد تركيا التي اعتبر أنها تتبع سياسة «عدائية» إزاء الدولة العبرية. وقال إنه يتعين عقابها عبر مقاطعة سفر السياح إليها. واعتبر أن المقاطعة هي الموقف «الشريف» الذي ينبغي أن ينحاز إليه الإسرائيليون دفاعا عن «الكرامة القومية». وذهب إلى أن الإسرائيليين بهذه الطريقة يبعثون برسالة إلى حكومة حزب العدالة والتنمية خلاصتها أن المواقف والتصريحات «العدائية» التي تصدر عن أنقرة سوف تنعكس بصورة سلبية على مواردها التي تجنيها من وراء سفر مئات الآلاف من السياح الإسرائيليين إلى تركيا كل عام.
دعوة المقاطعة التي أطلقها وزير السياحة ستاسي مسيجنيكوف أثارت لغطا في "إسرائيل"، التي يخشى قادتها من تدهور العلاقات مع تركيا، فتخسر بذلك حليفا تقليديا وتلحق بإيران التي انقلبت سياستها إزاءها على النحو الذي يعرفه الجميع بعد نجاح الثورة الإسلامية في عام 1979. لذلك فإن وزراء آخرين في الحكومة الإسرائيلية دعوا إلى الحفاظ على «شعرة معاوية» مع تركيا حتى لا تتدهور العلاقات أكثر بما قد يؤدي إلى قطع العلاقات معها، الأمر الذي يعد بمثابة ضربة استراتيجية موجعة لـ"إسرائيل" المهددة بالعزلة الدولية.
ما يهمنا في المشهد هو الرأي الذي عبر عنه وزير السياحة السيد مسيجنيكوف واعتبر فيه مقاطعة زيارة تركيا موقفا شريفا يقتضيه الدفاع عن «الكرامة القومية»، علما بأن حكومة حزب العدالة لم تقدم على شيء يمس تلك الكرامة. وكل ما فعلته أنها أدانت العدوان الإسرائيلي على غزة وانتقدت الجرائم التي ترتكب بحق الفلسطينيين، وغضبت لقتل تسعة من الأتراك كانوا على ظهر الباخرة مرمرة التي حاولت كسر الحصار على غزة. إن شئت فقل إن خطيئة حكومة أنقرة وجريمتها الحقيقية أنها خرجت من «بيت الطاعة» الذي فرض عليها طوال السنوات التي خلت، وأرادت أن تتخذ موقفا نزيها ومستقلا إزاء القضية الفلسطينية، واعتبر وزير السياحة الإسرائيلي أن ذلك سلوك عدائي يستوجب المقاطعة.
حين طالعت الخبر، استعدت على الفور تصريحات وزير الأوقاف في مصر الدكتور محمود زقزوق، الذي ما برح يدعو بمناسبة وبغير مناسبة إلى زيارة المسجد الأقصى، ولا يجد غضاضة في أن يتم ذلك بتأشيرة إسرائيلية. وفي الوقت ذاته يرفض ويندد بفكرة مقاطعة الزيارة التي يتمسك بها آخرون طالما أن القدس والمسجد تحت الاحتلال الإسرائيلي. لم يجد الوزير في استمرار الاحتلال ولا في كل الجرائم التي ترتكبها "إسرائيل" بحق أهل القدس الذين يقتلعون يوما ما بعد يوم أو بحق بقية الفلسطينيين في الضفة وغزة، لم يجد في كل ذلك شيئا يمس الكرامة العربية، ويستوجب المقاطعة، ناهيك عن المقاومة.
لا يخلو الأمر من مفارقة لها دلالتها الكاشفة. فالوزير الإسرائيلي يعتبر مجرد نقد السياسة الإسرائيلية مساسا بالكرامة القومية يستوجب المقاطعة. أما الوزير المصري فلا يرى في سحق الفلسطينيين وتدمير حياتهم ولا في تهويد القدس ما يمكن أن يمس الكرامة القومية أو يستدعي المقاطعة! ومحاولة تفسير ذلك التفاوت تستدعي أكثر من سؤال. أحد هذه الأسئلة ينصب على ما إذا كانت غيرة الوزير الإسرائيلي على ما يعتبره كرامة قومية لبلاده، أقوى وأكبر من غيرة الوزير المصري على الكرامة العربية، ثمة سؤال آخر يتعلق بزاوية النظر التي يتحدث منها الوزير المصري وما إذا كان يتعامل مع الكرامة المصرية بحسبانها منفصلة عن الكرامة الفلسطينية أو العربية التي لم يضعها في اعتباره. هناك سؤال ثالث يتعلق بمنطلق كل منهما وكون الوزير الإسرائيلي سياسيا لا يتردد في التعبير عن موقف يتعارض مع سياسة حكومته، في حين أن الوزير المصري تصرف كموظف لا يستطيع إلا أن يلتزم بموقف حكومته التي وقعت اتفاقية صلح مع "إسرائيل" قد لا تسوغ فكرة المقاطعة.
ليست هذه هي المفارقة الوحيدة، بل أزعم أنها فرع عن مفارقة أكبر برزت في الأفق خلال الأيام الأخيرة. ذلك أن "إسرائيل" أبدت انزعاجها حين أصدر مجلس الأمن القومي التركي وثيقة الأمن المعتمد للسنوات الأربع المقبلة، واعتبرت فيها إن "إسرائيل" تمثل «تهديدا مركزيا» لها. وكانت تلك هي المرة الأولى منذ تأسيس الدولة العبرية التي اعتبرت فيها تركيا أن ممارسات "إسرائيل" في تركيا تمثل تهديدا لها. وتبلغ المفارقة ذروتها حين نجد أن مصر ودول «الاعتدال» المنخرطة معها من أصحاب القضية الأصليين -باتوا يعتبرون أن إيران وليست "إسرائيل" تمثل التهديد المركزي لها- صدق أو لا تصدق!.