أعاد الحديث عن قرب التوقيع على اتفاق المصالحة بين حركتي حماس وفتح شيئاً من التفاؤل الحذر في الشارع الفلسطيني ، ذلك لأن هذا الشارع قد ذاق الأمرين جراء الانقسام الذي كان بعد رفض حركة فتح نتائج الانتخابات التشريعية التي فازت بها حركة حماس ، في يناير 2006 م .
ولا يختلف اثنان ولا ينتطح عنزان في أن التدخلات الخارجية في الشأن الفلسطيني الداخلي كان أحد أسباب الانقسام ، فالتدخل السافر المباشر من قبل أمريكا والرباعية الدولية في فرض شروطها ورؤيتها على الأطراف الفلسطينية كان من الأسباب المباشرة للانقسام، فحركة حماس هي التي دفعت الثمن الأكبر جراء رفض شروط الرباعية ، وكذلك فإن تدخلات الدول الإقليمية وما نتج بعد ذلك على الأرض من تداعيات سلبية في أكثر من اتجاه وانحياز تلك الدول لطرف على حساب الطرف الآخر أدى إلى تعقيد الموقف وعدم الخروج من المأزق.
ولا نريد هنا أن نخوض أو نتكهن بأسباب اللهجة الجديدة المتفائلة عن قرب المصالحة والاستعداد لإنجاحها والتغلب على الصعاب التي تعترض المصالحة بعد التصريحات المتشنجة طوال الفترة السابقة من هنا وهناك ، والتي تعتبر حماس عدواً مركزياً لا مجال للتفاوض معه حتى يرفع الراية البيضاء ويعتذر للشعب الفلسطيني .فإننا الآن نسمع كلاماً مغايراً ومبشراً على لسان أكثر من طرف من قيادات حركة فتح، فالحديث يدور عن لهجة مختلفة وكلها تشير بأنه تم تذليل معظم العقبات أمام التوقيع ولم يبق سوى بعض القضايا .
إلا أننا نترك الإجابة واستشراف أسباب هذا الانعطاف المفاجئ الذي نتمنى له الاستمرار والنجاح (رغم أن أيدينا ما زالت على قلوبنا) ونفضل الحديث عن جانب آخر في الموضوع ، فأنا أحب هنا أن أتحدث بلسان الشارع الفلسطيني لا بلسان السياسيين ، هذا الشارع الذي صدم أكثر من مرة من فشل جولات الحوار سابقاً وهو يحاول أن يتفاءل اليوم ..... ومن حقه أن يتساءل ماذا تعني المصالحة..؟
هل تعني المصالحة أن الأطراف ستلتقي هنا أو هناك ثم يتم التوقيع على اتفاق معين وبعد ذلك تؤخذ الصور التذكارية ويكتفي بالمصالحة على مستوى القيادات ويكون الخروج من مأزق التوقيع على ورقة التفاهمات والورقة المصرية التي كادت أن تكون معلوماً من الدين بالضرورة في نظر البعض ولندخل ولمدة أربع سنوات قادمة في مأزق تأويل النقاط التي تم التوقيع عليها كل حسب فهمه وطريقته ؟
وهل التوقيع جاء بنوايا مخلصة أم جاء نتيجة حتمية للمأزق الحاد الذي وقع فيه كل طرف أو المأزق الذي وقعت فيه المفاوضات سرها وعلانيتها وبسبب التلاعب الإسرائيلي بمواقفه تجاه المفاوض الفلسطيني حيث تم تقزيم الموقف الفلسطيني إلى مجرد المطالبة بتجميد الاستيطان المستفحل ولو لمدة من الزمن ..
ثم دخول قضية يهودية الدولة ، والآن التفرغ الإسرائيلي لفلسطينيي48 واعتبارهم أغراباً، جاء ذلك لانحياز الموقف الأمريكي الكامل بزعامة أوباما إلى الجانب الإسرائيلي لأن مصالح أمريكا الداخلية تحول دون ممارسة أي ضغط على الجانب الإسرائيلي وفي كل الظروف وليذهب الفلسطينيون إلى الجحيم ..أم أن الوضع الداخلي لحركة فتح والتململ اتجاه سلام فياض والذي طفا على السطح أخيراً بسبب الدعم اللا محدود الذي يلقاه فياض في خططه لمحاربة حماس وإنهاء فتح جعل جانباً من حركة فتح يسارع لطلب المصالحة علّها تكون في اتجاه إبراز فتح كطرف فاعل ومسيطر على زمام الأمور لا غيرها..وهل ستفلح في ذلك ؟
هذه الأسئلة التي تتردد على لسان الإنسان الفلسطيني ويخشى أنه إذا حصل تطور ما على أحد هذه الجوانب أو غيرها أن يؤدي إلى تعثر مساعي المصالحة مرة أخرى، فالحديث الإسرائيلي وتهديده بإعادة السيطرة على الضفة الغربية وإعادة الحواجز كما كانت وسحب الانجازات التي قدمت للسلطة إذا تمت المصالحة مع حركة حماس،تشكل أسئلة محيرة, على حركة فتح أن تجيب عنها .
ورغم ذلك لا نريد أن نكون متشائمين ، ولكن دعنا نقول إن حركة فتح قالت "لا" للفيتو الأمريكي والاعتراض الإسرائيلي والتخوف الإقليمي وهذا ما نرجوه ونتمناه فلا بد لها عندئذٍ أن تبرهن للشارع العربي والفلسطيني أنها قادرة على ذلك بل وقادرة أيضاً على إلزام أجهزتها الأمنية بأي اتفاق ودحض الإشاعات التي تتحدث عن رفض الأجهزة الأمنية لأي مصالحة مع حماس .
إن على أطراف المصالحة أن تحرص بداية على مصالحة الشارع الفلسطيني الذي دفع أغلى الأثمان مقابل الانقسام .. هذا الانقسام الذي أفسد العلاقات العائلية والنسيج الاجتماعي الفلسطيني بعاداته وتقاليده وأعرافه .
لا بد أن يشعر الإنسان الفلسطيني المظلوم أصلاً من إجراءات الاحتلال ومن قمعه أن هذه المصالحة قد أعادت له اعتباره في الأمور كلها وخاصة الذين أحرقت محالهم وصودرت أموالهم وقطعت أرزاقهم دون أي سبب سوى انتمائهم السياسي والفصائلي ..وكذلك الذين فصلوا من وظائفهم إذ ليس من العدالة أن توجد أسر بكاملها أبناؤها مفصولون بينما أسر أخرى تتقاضى رواتب وهي جالسة في بيوتها .
إن المفصولين بسبب انتمائهم السياسي تلك المأساة لا ينهيها إلا التكفير عنها ، وذلك بإعادة هؤلاء وتعويضهم ورد اعتبارهم واعتبار ذويهم ، وذلك أضعف الإيمان . أو الذين تم حبسهم وإيذاؤهم أو الذين فقدوا أحباءهم وأعزاءهم أو الأسرى المحررين الذين ذاقوا الويلات في السجون الصهيونية ثم ذاقوا ويلات الويلات في السجون الفلسطينية ودفعوا فاتورة الثأر التي لا علاقة لهم بأسبابها أصلاً ..
إن من حق الشعب الفلسطيني أن يحاكم ويقاضي كل من أساء إليه ، ولا بد أن يقال من منصبه كل من له علاقة بهذه الإساءة من مسؤولين وأجهزة وأفراد بل يجب إقالة ومحاكمة كل من كان سبباً في حصول وتعميق الانقسام ووصول الشعب الفلسطيني إلى هذا الحال . ولعل انتقاء الأجهزة الأمنية على أسس وطنية ومهنية بعيدة كل البعد عن أي خلاف سياسي يساهم في ذلك كله ولذلك يجب تشكيل لجان المصالحة ، والتي تضم كافة الأطراف السياسية وأهل الخير والإصلاح ، والتي من مهامها دفن آثار الماضي البغيض والعمل على دفن آثار الانقسام وهذه مهمة عاجلة ومقدسة يجب أن يسارع إليها ودعمها كافة الأطراف.
إن وقف الحملات الإعلامية الداخلية والتراشق الإعلامي يجب أن يكون من أولى الخطوات على طريق إيجاد الأرضية المؤدية إلى طريق إنهاء الانقسام ،هذا التراشق الذي سمم القلوب وأساء إلى نضال وجهاد وقادة الشعب الفلسطيني . إن الشعب الفلسطيني يدرك أن التوقيع على اتفاق المصالحة يجب أن ينهي حقبة تفرد طرف دون آخر على مقدرات الشعب الفلسطيني، والتي كانت من أسباب الانقسام وهذا يعد مقدمات الشراكة الحقيقية .
إن عدم التفريط بالمؤسسات الفاعلة خاصة المؤسسة التشريعية ... واستقلالية القضاء واحترام حقوق الإنسان كلها مقدمات ستؤدي إلى زيادة ثقة الناس والشارع الفلسطيني والعربي بأي اتفاق قادم. ونحن يحدونا الأمل في وعي قيادات شعبنا نحو تجنب كل ما يؤذي هذا الشعب والخروج به من مأزق الفرقة والانقسام.