الحجاب ما بين حماس وأوكرانيا

نشر 04 نوفمبر 2010 | 11:37

أقام بعض ( المثقفين جداً) الدنيا على رأسي وما أقعدها يوم أن كنت وزيراً للثقافة؛ لأنني – وبزعمهم- أجبرت موظفات الوزارة على الحجاب ، ونسبني بعضهم إلى الظلامية ، والطالبانية ، وأخذوا يصرخون - على رأي إخواننا المصريين - ( حلق حوش) ناهيكم عن أن بعض البعض قد رموني بالاستبداد وتكبيل الحريات وظلم المرأة ، لأنهم يعتقدون أن الحجاب من عدمه إنما هو حرية شخصية لا دخل للدين فيها !!واليوم ، وقد مضى على تلك الزوبعة ما يقرب من الأربعة أعوام أقول : إنني دعوت ولم أجبر، وشجعت ولم أكره ، وحاولت أن أقنع ، لكنني فشلت في الغالب.

 

ونجحت في القليل النادر، والنادر – كما هو معلوم – لا حكم له ...ولم يقتصر الأمر عليّ، فقد تعداني إلى الحكومة بمجملها ...حكومة حماس كما كان ولا يزال يحلو لغير أبناء حماس أن ينعتوها ، في محاولة لتفريغها وجعلها حكومة حركة لا حكومة الشعب الفلسطيني ، رغم أنها الوحيدة من بين ما تلاها من حكومات التي جاءت كثمرة لانتخابات نزيهة، وببرنامج سياسي، صادق عليه المجلس التشريعي ومنحها الثقة، وأقسمت اليمين الدستورية أمام عباس أيام أن كان رئيساً شرعياً !!كما لا يقتصر الأمر على الحجاب بل تعداه إلى إلصاق تهمة الظلامية ومحاربة الحريات والتخلف بحماس يوم أن أخذت قراراً بعدم السماح للنساء بتدخين الأرجيلة على شاطئ البحر.

 

أو (على عينك يا تاجر) في المقاهي والاستراحات والشاليهات، حتى وصل إلى استثارة نخوة جمعيات حقوق الإنسان والصحافة والفضائيات، واشتدت الحملة اشتعالاً يوم أن أقدم نفر بحرق بعض الجوانب من الكريزي ووتر .. وهات يا مقالات ، ويا بكاء على أطلال الحرية التي ذبحتها حماس الظلامية من الوريد إلى الوريد، لتصير غزة في ظلها طورا بورا ،أو مملكة من مملكات العرب العاربة !! إلا أن الزائر لغزة يفاجأ بغير ما يروج له التنويريون والحقوقيون !! ولا يكلفة الأمر شيئاً إلا أن يقف أمام مدينة عرفات للشرطة ، أو يسير ببطء حول ميدان الجندي المجهول ليرى أن ما يشاع في واد ، والواقع في واد آخر، رغم رفض حماس – شرعاً وعرفاً وسلوكاً – ذلك ، إلا أنها تدرك أن الإكراه سيصل إلى أن تغطي النساء رؤوسهن ولكن بلا قناعة أو رضا، وبالتالي سيكرهن الإسلام الذي يرغمهن عليه الحمساويون !!

 

فتتولد مفسدة أعظم ، لذا لم تمارس الإكراه أو الإجبار قط، بل حببت وشجعت وحاولت أن تقنع ..وهذا ما لم تسلكه أوكرانيا !! وهنا بيت القصيد ، فقد أصدرت حكومتها قراراً بإلزام الموظفين الرجال ببذلة زرقاء وقميص سماوي وربطة عنق تتناسب مع تدرج الألوان ، وألزمت النساء بقميص سماوي بأكمام ومسحة خفيفة من المكياج وتنورة تغطي منتصف الساق على ألا تكون ضيقة ولا مفتحة الجوانب ، وأن يغطي القميص ( تي شيرت) الصدر والنحر.

 

والعجيب أن ( الشعب ) الذي كانت جمهوريته إحدى جمهوريات الاتحاد السوفييتي قد قبل هذا القرار بقبول حسن ، والتزم الموظفون والموظفات دون شوشرة ولا ( حلق حوش) ولم تتحدث منظمات حقوق الإنسان، ولا أثيرت في وجه الحكومة الزوابع، ولم ينسبوها إلى الظلامية أو الرجعية، ولم يتهمها أحد بظلم المرأة، ولم يطعنوا في الشيوعية أو العلمانية أو الليبرالية التي يتبناها وزراء الحكومة؛ مما يثير الاستهجان لديّ والعجب!! فإن جاءت الدعوة والتشجيع والتلطف من قبل حكومة حماس حلت كارثة الكوارث بالمرأة ، فوصفت بأنها مظلومة مضطهدة و...وإن جاءت من أوكرانيا فإن ما جاءت به هي الديمقراطية والحريات وحق الدولة على رعاياها الذين لا ينبغي لهم إلا أن يقولوا سمعنا وأطعنا !! فكيف يمكن أن يحل المثقفون جداً هذا التناقض؟؟؟