القتل الأعمى والرد الأرعن في كنيسة بغداد

نشر 04 نوفمبر 2010 | 08:58

لم أتخيل أن يكون أناس مسلمون (فضلا عن أن يكونوا مجاهدين) هم الذين نفذوا عملية الكنيسة في بغداد، وذهبت نحو تصديق الرواية الأولى التي تقول إن المجموعة كانت تستهدف مبنىً مجاوراً يخصّ البورصة العراقية (لا يعني صحة ذلك بالطبع)، لكن فشلها في العملية دفعها إلى دخول الكنيسة المجاورة لحظة تجمع الناس فيها يوم الأحد خلال القداس الأسبوعي.

 

حتى هذه اللحظة ورغم بيان تبنيها تبدو العملية مثيرة للأسئلة، ونتذكر هنا أن هذه المجموعات التي تمارس العنف من خلال بوصلة إشكالية هي دائما سهلة الاختراق من قبل الأجهزة الأمنية، ويمكن توجيهها نحو عمليات خاطئة، بل بالغة البشاعة في بعض الأحيان، وما حصل في الجزائر خلال التسعينات أكبر دليل على ذلك.

 

أقول ذلك لأن الزرقاوي نفسه كان يرفض العمليات التي تستهدف المسيحيين غير المحاربين، وكذلك فعل أبو محمد المقدسي، وليس ثمة سوابق ذات قيمة في هذا السياق، ما يعني أن المسألة ستظل برسم الأسئلة كونها الأولى من هذا النوع.

 

المصيبة أن هناك بيانا وتسجيلا يؤكد وقوف القاعدة (دولة العراق الإسلامية) خلف العملية، وإذا كانت قيادة التنظيم تراها خاطئة فينبغي أن يصدر منها ما يشير إلى ذلك، سواء من الداخل أم من الخارج، أما في حال لم يصدر شيء، فإن الجريمة ستبقى مسجلة باسمهم.

 

في البيان نعثر على تبرير غريب للعملية (البيان كتب قبل نهايتها)، إذ قال بالنص "إنّ المجاهدين في دولة العراق الإسلاميّة يُمهلون كنيسة مصر النّصرانيّة المُحاربة ورأس الكفر فيها (ثمانيا وأربعينَ) ساعة، لتبيان حال أخواتنا في الدّين، المأسورات في سُجون أديرة الكفر وكنائس الشّرك في مًصر، وإطلاقً سراحهنّ جميعهنّ، والإعلان عن ذلك عبر وسيلة إعلاميّة تصلُ إلى المجاهدين في فترة الإمهال".

 

هل يعقل هذا؟ هل يتحمل مسيحيو العراق (الكاثوليك) المسؤولية عما يفعله البابا شنودة (الأرثوذكسي) في مصر؟ وهل يتخيل عاقل أن الأخير سيبادر إلى إطلاق كاميليا شحاتة أو سواها من أجل إنقاذ الرهائن في كنيسة ببغداد؟ وهل ستقبل السلطة المصرية ذلك لو وافق؟ ثم هل انتهت مهمات المجاهدين في دولة العراق الإسلامية حتى يتفرغوا لإطلاق سراح الأخوات المختطفات في سجون البابا شنودة؟، كيف يفكر هؤلاء، ومن أين يستمدون قرارهم، ومن أية نصوص ينهلون، وهل يعقل أن أسامة بن لادن يقبل مثل هذا العمل؟ إنها إساءة بالغة للإسلام والمسلمين لا ينبغي السكوت عليها من قبل العلماء المعتبرين، لاسيما أولئك الذين يمكن أن يستمع إليهم أمثال هؤلاء، مع العلم أن مثل هذه الأخطاء الرهيبة هي التي أفقدت القاعدة في العراق الجزء الأكبر من الحاضنة الشعبية التي تمتعت بها خلال السنوات الثلاث التالية بعد الاحتلال.

 

هناك ما ينبغي قوله هنا أيضا، ويتعلق بالمعالجة الأمنية لعملية الخطف، فقد استمعت إلى الناطق باسم الحركة الديمقراطية الآشورية يتحدث إلى راديو بي بي سي صباح الأمس، وكان الرجل مرتبكا وخائفا في سياق حديثه عن الأخطاء الذي ارتكبتها الأجهزة الأمنية في عملية تحرير الرهائن.

 

لقد كان بالإمكان تحريرهم من دون إيقاع هذا العدد الكبير من الأسرى والجرحى، ربما عبر التفاهم مع المختطفين، مباشرة أو عبر عقلاء آخرين بوسعهم التفاوض معهم وإقناعهم بعدم جواز ما يفعلونه من الناحية الشرعية ولا جدواه من الناحية السياسية، أو عبر رش المنطقة بالغاز، إلى غير ذلك من وسائل يعرفها المعنيون حتى لو أدت إلى نجاة المختطفين (بكسر الطاء)، لكن ما جرى كان مجزرة وليس عملية إنقاذ.

 

بقي القول إن من العبث نسبة هذا العنف الأعمى إلى الإسلام، أو إلى الجهاد، ففي كل الأديان والمذاهب ثمة من يتطرفون ويتعسفون في استخدام النصوص، لكن الإسلام كان ولا يزال على موقفه من تكريم الإنسان ورفض العدوان عليه دون وجه حق. "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين". صدق الله العظيم.

 

لا ننسى التذكير بأن الاحتلال الظالم هو سبب هذا الجنون، وكان أولى ببابا الفاتيكان أن يدينه بشكل واضح بدل الحديث العام عن السلام في الشرق الأوسط، وقد قلنا وسنظل نقول إن العنف ليس ظاهرة فكرية، بل ظاهرة سياسية تتوسل الأفكار في تبرير أعمالها، أحيانا بشكل صائب، وأخرى بشكل خاطىء.