ترى النُّخَب الصهيونيَّة أن موافقة أي جهة تمثِّل الفلسطينيين على يهوديَّة إسرائيل يعني ببساطة تسليم وقبول هذه الجهة بكل الخطوات والإجراءات وتقبل بكل المواقف التي تضمن –حسب المنطق الإسرائيلي- تكريس الطابع اليهودي لهذا الكيان.
وعليه فإنه يترتَّب على الموافقة الفلسطينيَّة على يهوديَّة الدولة أربعة أبعاد كارثيَّة على الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، ونحن هنا سنناقشها بالتفصيل، فمن ناحية يعني ضمان الطابع اليهودي للكيان الصهيوني أن يحافظ اليهود على تفوُّق ديموجرافي كاسح داخل إسرائيل، لذا فإن موافقة الفلسطينيين على يهوديَّة الدولة تعني أن يتنازل ممثلو الفلسطينيين عن أي طلب أو موقف يهدِّد في الحاضر والمستقبل التفوق الديموجرافي اليهودي في إسرائيل، وبالتالي فإن موافقة الفلسطينيين على يهوديَّة الدولة يعني تنازلَهم الضمني عن حق العودة للاجئين، على اعتبار أن عودة اللاجئين ستنسف الواقع الديموجرافي داخل إسرائيل وتحوِّل اليهود إلى أقليَّة، من هنا فإن الاعتراف بيهوديَّة الدولة يعني البحث في كل الحلول لقضيَّة اللاجئين باستثناء عودتهم للأراضي التي شُرِّدوا منها خلال حرب 1948، مثل حلول التوطين، في نفس الوقت فإن الاعتراف بيهوديَّة الدولة يعني أن يقبل ممثلو الفلسطينيين بالإجراءات التي يتَّخذها الكيان الصهيوني والصيغ التي يطرحها للتخلص من العبْءِ الديموجرافي الذي يمثله فلسطينيو 48، من هنا فإن فكرة تبادل السكان التي يبدي وزير الخارجيَّة الإسرائيلي أفيجدور ليبرمان حماسًا منقطع النظير لها تصبح فكرة واقعيَّة، ويعني اعتراف الفلسطينيين بيهوديَّة إسرائيل القبول أو على الأقل التسليم بالقوانين التي سنها الكنيست، والتي تعكف على سنِّها حاليًا، والتي ستسنها في المستقبل من أجل ضمان تهويد الأرض الفلسطينيَّة؛ فالاعتراف بيهوديَّة الدولة يعني الاعتراف بالقوانين العنصريَّة التي سنَّها المشرِّع الإسرائيلي منذ عام 1949 لتهويد الأرض الفلسطينيَّة وحتى الآن، وضمنها قانون العودة الذي يعطي لكل يهودي أينما كان الحق في الهجرة لأرض فلسطين وأن يصبح بشكلٍ تلقائي "مواطنًا" في "دولة" إسرائيل، وقانون المواطنة الذي يحرم فلسطينيي 48 من الحق في لَمّ شمل عائلاتهم إن كان أحد الزوجين يقطن بالضفة الغربيَّة أو قطاع غزة، وما ينطبق على قانوني "العودة" و" المواطنة" ينطبق على قانون "الولاء" الذي أقرَّتْه الحكومة الإسرائيليَّة مؤخرًا، والذي يلزم غير اليهود بإعلان الولاء لإسرائيل كـ "دولة يهوديَّة وديمقراطيَّة"، علاوة على أن الاعتراف الفلسطيني بيهوديَّة الدولة سيشَكِّل غطاءً لسَنّ مزيد من القوانين العنصريَّة، مثل القانون الذي أعلن زعيم حركة شاس ووزير الداخليَّة الحاخام إيلي يشاي عزمَه على تمريره الذي يتمُّ حرمان كل شخص يتهم بارتكاب مخالفة أمنيَّة ضدّ إسرائيل من الجنسيَّة، والمفارقة أن يشاي اعتبر أن مشاركة حنين الزعبي في أسطول الحريَّة جريمة تسوِّغ سحب الجنسيَّة منها.
بالنسبة للنُّخَب الحاكمة في إسرائيل فإن الاعتراف الفلسطيني بيهوديَّة الدولة يعني قبل كل شيء تهويد الذاكرة الجمعيَّة الفلسطينيَّة بكل ما تعني الكلمة، وحتى لا يكون هناك مجال للَّبْس، فإنه من الأهمية بمكان الإشارة إلى ما قاله وزير التعليم الإسرائيلي جدعون ساعر عندما تحدث عن المضامين الثقافيَّة لاعتراف الفلسطينيين بيهوديَّة الدولة، حيث حدَّد ساعر في مقابلة مع التليفزيون الإسرائيلي هذه المضامين في بندين أساسيين، وهي:
أولًا: إعادة صياغة مناهج التدريس الفلسطينيَّة بما يتواءم مع جوهر الاعتراف الفلسطيني، لا سيما مناهج الجغرافيا والتاريخ والتربية الدينيَّة، صحيح أن ساعر لم يقدِّمْ تفاصيل كثيرة حول مطالبه على صعيد تغيير هذه المناهج، لكن ما يقصده معروف وواضح، فبعد الاعتراف بيهوديَّة "الدولة" فإنه يتوجب على وزارة التعليم الفلسطينيَّة طرح كتب جغرافيا جديدة تتضمن خريطة مختلفة، تظهر فيها إسرائيل إلى جانب الكيان الفلسطيني الذي لا يعرف أحد حتى الآن ما يمكن أن يطلق عليه، وسيكون لزامًا الإشارة للمدن الفلسطينيَّة بالأسماء العبريَّة، فبئر السبع ستصبح "بير شيفع" وصفد ستصبح "تسفات" وبيسان "بيت شآن"، وعسقلان "أشكلون"، هكذا دواليك، وما ينطبق على منهج الجغرافيا ينطبق على منهجي التاريخ والتربية الدينيَّة.
ثانيًا: يرى ساعر أن الاعتراف بيهوديَّة الدولة يعني أن يفرض الكيان الفلسطيني رقابة مشدَّدَة على دور العبادة ووسائل الإعلام الفلسطينيَّة، بحيث يتوقَّف ما يصفه بـ "التحريض" على إسرائيل، إن ساعر المعني بوقف التحريض على إسرائيل في دور العبادة ووسائل الإعلام الفلسطينيَّة هو الذي كان يحرص على زيارة الحاخام مردخاي إلياهو -أحد أهم مرجعيَّات الإفتاء في إسرائيل- قبل موته والحصول على "تبريكاته"، مع العلم أن إلياهو صاحب الفتوى التي تبيح ذبح نساء وأطفال وشيوخ الفلسطينيين وحتى بهائمهم.
إن الوزارة التي يديرها ساعر هي التي تدفع سنويًّا مبلغ 200 ألف دولار للمدرسة الصغيرة التي يديرها الحاخام إسحاق شابيرا الذي أصدر مؤخرًا كتاب "دين الملك" الذي طرح فيه "التأصيل الفقهي" الذي يسوِّغ قتل الأطفال الفلسطينيين، مع العلم أن تحقيقًا صحفيًّا نشره الصحفي الإسرائيلي في صحيفة "هآرتس" أثبت فيه أن إدارة الرئيس أوباما تقدِّم الدعم المالي لمدرسة شابيرا عبر إعفاء تبرُّعات عدد من اليهود الأمريكيين لهذه المدرسة من الضرائب.
المضحك المبكي أن نتنياهو يُطالب السلطة الفلسطينيَّة بالاعتراف بيهوديَّة الدولة التي تتضمن كل هذه الأبعاد الكارثيَّة دون أن يُبدي استعدادًا للتوافق مع مطلب السلطة المتمثِّل في إقامة دولة فلسطينيَّة على حدود الرابع من يونيو عام 1967، ولا يعرض سوى تجميد الاستيطان في الضفة الغربيَّة لمدة شهرين، وما يعرضه نتنياهو على السلطة لا يتجاوز صيغة الحكم الذاتي.