النقد بين البناء والهدم

نشر 03 نوفمبر 2010 | 12:24

البناء يلزمه عمل شاق ودؤوب وجهد،ويستغرق زمناً قد يطول وقد يقصر بما يتناسب مع الهدف أو الغاية ،وأما الهدم فلا يلزم من كل ذلك شيء ، فقد تهدم كلمة واحدة آمالاً كبيرة وقد تفعل تقطيبة وجه أو نظرة فعل النيران في بناء خرساني ، والعكس بالعكس صحيح ، فكلمة أو ابتسامة أو نظرة إعجاب ورضا قد تبني أديبا أو شاعرا يكون له من الشأن ما عجز في الوصول إليه أصحاب أسماء ومكانة ، ولا أفهم دور الناقد إلا أن يبني وليس غير ذلك ، فأما الآخر فلا يستحق أن يقال عنه ( ناقد ).

وطالما أن الحديث في فن من فنون الأدب فإنني أسلّم بأن بعض الأعمال لا ترتقي أن توصف أو تصنف في أي باب من أبوابه ، وهذا صحيح ، ليأتي دور الناقد الذي ينبغي أن يكون (بانيا ) فلقد أدرك أن هذا العمل لا يستحق إلا الرفض .. فإن تجاوز إلى رفض مشاعر صاحبه وكرامته فأغلظ له وسخر منه كان هادما لشخصيته لا رافضا لمحاولته، وما يترتب على ذلك من إحباط واكتئاب وفقدان الثقة بالنفس والكراهية والانكفاء على الذات ، في الوقت الذي كان من الممكن تجنب كل ذلك في محاولة لتعزيز شخصية صاحب العمل وتوجيهه إلى الارتقاء بثقافته وأدواته وحفزه على ألا يتعجل ، ويضرب له من أمثلة من التاريخ لمن سبقوه ، وحققوا غاياتهم بالحرص على الإجادة والهمة العالية في التحصيل ..

عمر بن أبي ربيعة (مثلا ) فقد قيل فيه ( ظل فتى قريش يهذي بالشعر حتى بذّ الشعراء ) وليس هناك من أديب حتى أولئك الذين حققوا شهرة عالمية وتحصلوا على ( نوبل ) إلا وبدؤوا بدايات متواضعة !! قالت هيلين كيلر : (كنت أحاول النهوض فتعثر قدمي فأنطرح أرضا ، وأحاول النهوض فأنهض وأنفض الغبار عن ثوبي وأحاول السير فتتعثر قدماي .. وهكذا حتى استقامت خطواتي ولم يعد ثوبي يتغبر ) أعرف طالبة قد تقدمت برسوم أولية لمشروع التخرج في كلية هندسة إلى أستاذها الذي نظر إلى خطوطها شزرا مع تقريع (أنت فاشلة ... )

ومزق اللوحة التي كلفتها 300$ استلفتها أمها الأرملة من جارتها، فالتصق فك المسكينة السفلي بالعلوي لساعات وتجمدت أطرافها .. وأخرى كانت لها محاولة في كتابة قصة قصيرة نهرها ( الناقد ) فخرجت لتقول : كسر ظهري، وهي تجهش بالبكاء ، وثالث صفق له ( ناقده ) وأضحى شاعرا رغم أنه بدأ على طريقة ( السح ادح انبو ). إن عمل الناقد مثل عمل خبير النقود الذي يميز الزائف منها من السليم بواسع علمه وخبرته ، كما يميز بين معايير الذهب ، فذا عيار 24 قيراط وذاك عيار 12 قيراط ، ولكل ثمن وقيمة حتى الرديء منها يمكن أن يعاد صهرها وسبكها وصقلها في عملية أنشأت لها مصانع ، فدرت أرباحا .. وليس ببعيد ما تقوم به دول متقدمة من إعادة تصنيع النفايات الصلبة !! والشتلة والفسيلة تصير شجرة مثمرة ، معمرة إذا أحاطها فلاح بصير برعايته فسقاها وغذاها ، ولكن لو أشاح بوجهه عنها وأهملها لعصفت بها الرياح وهلكت بعد ساعات من غرسها .