في زيارة نتنياهو للوحدة العسكرية التي نفذت إعدام شهداء أسطول الحرية في الأيام القليلة الماضية كان الخطاب لهم " أحسنتم لقد قهرتم العدو ، ولقنتم الإرهاب وجماعته درساً لن ينسوه " .
بعد الخطاب والاحتفاء الكبير وزعت الأوسمة ، وجهز للحاضرين حفل تكريمي كبير للحفاظ على معنوياتهم ولإثبات أن الشعب الصهيوني يقف خلف جيشه مسانداً وداعماً دون مواربة ولا اختباء .
رئيس هيئة الأركان الصهيوني ، ومنذ جلسة التحقيق الأولى بخصوص المجزرة كان واضحاً وأمام شاشات الإعلام ، أن وحدات جيشه هي مفخرة (إسرائيل) ، وأن فعلها كان الرد الوحيد المناسب على القادمين عبر البحر .
الإعلام الصهيوني لا تخلو برامجه من برامج تمجد قتلاهم ، وإظهار مناقبهم ، و قبل ذلك يظل التقدير الرسمي هو الأكبر والأكثر أثراً.
في القراءة للثقافة الصهيونية نجد أن الجيش أو المقاتل مقدسها الذي لا يمس ، ميزانياته تفوق كل الميزانيات للمرافق الأخرى ، امتيازات جيشه بلا حدود .
أما في الحديث عن المحافظة على كرامة الجندي عندهم فنبرز كيفية التعامل مع ملفه إن وقع في الأسر واستعدادهم للإفراج عن المئات مقابله ، وقد حدث بأن قدمت الدولة هيبتها مقابل سلامته .
تبرير ذلك هو معرفة (إسرائيل) بأن وجودها ، يرتبط بالروح المعنوية المقاتلة ، والجندي الشجاع ، والسلاح الذي لا ينحني ، لذلك كانت النتيجة التي ترتبت على هذه الثقافة الهزيمة للأمة العربية وجيوشها بقلة لقيطة .
في الحديث والمقارنة مع واقعنا الفلسطيني ، يبدو الحال حزيناً ، وتبدو القصة مختلفة .
في زيارتي لبيت عمر البرغوثي (أبو عاصف ) وتجوالي معه في ذكريات السجن التي جمعتنا ، تذكرنا شقيقه نائل الذي يمضي في المعتقل منذ ثلث قرن من الزمان ، كذلك ابن عمه فخري ، ثم ولده ، ثم أبناء أخته ، ثم أبناء أعمامه ، وأبناء خالاته ، ليزيد عدد المحكوم عليهم بالمؤبدات في أسرته عن العشرة .
أما عمر نفسه فلقد زادت أيام سجنه عن الربع قرن ، ومثلها في الشتات والإبعاد ، والمطاردة ، وحمل السلاح من لبنان إلى الضفة .
هذا التاريخ أبدعت السلطة الفلسطينية المبجلة في تكريمه ، وتعزيز صمود أسرته التي تميزت في نضالها وجهادها ومقاومتها .
بدء التكريم كان بالاعتقال في زنازين الأمن الفلسطيني ، دون حجة ، ولا سبب ، لتكون النتيجة اتهام الرجل بقيادته للمقاومة وشبهة مساندته للعمل الجهادي الذي أسفر على إثر ذلك عن اعتقاله من قبل (إسرائيل) ، ووجوده الآن في التحقيق العنيف والمؤذي .
لمن لا يعرف عمر وباختصار : هو رجل الوحدة الوطنية ، وصمامها ، بل أدعي أنه الرمزية الحقيقية للنضال الفلسطيني الذي كان فارسه المقاتل وشيخه الذي لا يلين.
في صحبتي له في المعتقل وخارجه ، كان منهجاً رائداً ، ورؤية ثاقبة ، حباً يدب على الأرض .
السلطة باعتقاله نجحت في قتل الروابط ، وهدمت كل المعاني التي يمكن لها أن تعزز الحب الداخلي الذي تمزق بسبب الفرقة القائمة هذه الأيام .
عمر الذي أطلق على ولده البكر اسم "عاصف" ، تيمناً بعاصفة الفتح يوم كانت هويتها الفداء ، وصورتها الشهيد المسربل بالدم .
اليوم هي ذاتها ، تحبسه ، وتتسبب في أذيته ، تعتقل إخوانه ، تعذبهم دون سبب غير الرد على جرائم المستوطنين ، وحماية الشعب الفلسطيني من الاحتلال .
عمر البرغوثي أخطأت فتح وسلطتها في اعتقاله مرتين .
المرة الأولى لأنها أصابت من حماس صوتها الجامع ، والموحد ، والمجمع عليه .
أما الخطيئة الثانية فهي حين قلبت موازين العلاقة مع التاريخ الذي فيه عائلة عمر الصورة الأجمل والأطهر .
في حكاية عمر معضلة الواقع الفلسطيني ، وأزمته ، وللدقة أكثر معضلة فتح ، وواقعها ، وبوصلتها ، ثقافتها ، منهجها الذي بات ينقلب على كل المقومات الوطنية اليوم .
في الختام وفي المقارنة التي لا أحب .... لو كان عمر صهيونياً بكل هذا الفداء لكان وزير حرب العدو ، أو رئيس دولته ، أو رمزه الذي يزين البيوت ، أما نحن فيكفي لعمر منا زرد السلاسل العربية الفلسطينية المقرفة المقززة .