يجب أن يدرك العاملون في سلك الحكومة والتنظيم الفرق الكبير بين مقتضيات الدعوة ومقتضيات الدولة ، وبمعنى آخر بين ما يلزمهم به التنظيم وما ينبغي أن يلتزموا به حيال النظام ، فبعد انتخابات يناير 2006 انتقلت الحركة فجأة إلى أن تحكم ، وما بين عشية وضحاها أصبحت ملزمة بتدبير شئون الشعب الفلسطيني على مختلف انتماءاته ومعتقداته ، في الضفة والقطاع ، ومسؤولة مسؤولية قانونية ودستورية عن جوانب الحياة (الاجتماعية والثقافية والسياسية والفنية والاقتصادية و....) ..
وقد كانت بالأمس مسؤولة فقط عن أنصارها وخاصة من في أعناقهم ( بيعة ) ، وهم النواة الصلبة حسب المصطلح الدارج لدى أجهزة الأمن المناوئة ، ولقد كانت النقلة سريعة ، فقد وجد الوزراء أنفسهم على رأس وزارات يمثل موظفوها أكثر من 99% من منتسبي فصائل أخرى ، تأتي أحكام الدين - في أحسن الأحوال - في المرتبة الثانية أو الثالثة ، بعد الأحكام الوضعية ..
وبذا فقد وجد نفسه بين أناس يتحدثون بغير ما اعتاد أن يتحدث به أو يسمعه ، فضلاً عن صرعات الموضة ، التي يمثل مجرد النظر إليها محرماً ، وإظهارها وهي على مواضعها من الكبائر ، ناهيك عن الرؤوس السافرة ، والأجساد المحشورة في الملابس الضيقة، ووجد نفسه – مضطراً – أن يعايش هذه المشاهد والمناظر، إن دخل وزارته أو خرج منها ، ولا يمكن إلا أن يرفع بصره ولو أحياناً ليرى موطئ قدمه ، ويستكشف طريقه ، فيجد ما يتناقض مع مبادئ تربى عليها وشكلت قناعاته ، واصطدمت مع منظومة الفرائض والمحرمات ، بما يحدث عنده الكثير من الحيرة والإرباك عند محاولة الجمع بينهما ، بما يقتضيه الواقع الجديد الذي وجد نفسه في زحمته ، فوزير الاقتصاد قد حار في التعامل مع الاقتصاد الحر المبني على أساس متين من ( الربا ) دون سواه ، ووزير الخارجية وجد نفسه أمام سفارات وقنصليات ووفود وأنظمة ترفضه حتى ( ديبلوماسياً)...
و..... إلى جانب جهاز وظيفي لا يرى فيه إلا جسماً غريباً أو ضيفاً غير مرغوب فيه ، وما يترتب على ذلك من مكائد وسلوكيات مفتعلة مصنوعة ، مما يزيد من وتيرة الإرباك والحرج الذي يمكن أن يكون تأثيره ضعيفاً إن سلم من الانتقادات الحادة من أفراد التنظيم، الذين لم يدركوا أولويات مقتضيات الحكم ، والذين وصل بهم الأمر إلى درجة من التشكيك أو الاستخفاف بأداء المسئول أو محاولته التوفيق بين المثال والواقع !!! مما أثقل كاهل المسئول بحمل يكسر الظهر ، إذ وجد نفسه في قفص ( الإدانة ) لدى إخوانه ومنهم من تتلمذ عليه وتربى على يديه ...
وهو ما ينبغي معالجته تربوياً وثقافياً؛ حتى يصبح سلوكاً معتاداً مقبولاً ، لأنه في غياب العمل المؤسسي أو ضعفه يزداد الإرباك .
كانت السنوات الماضية كافية لأن تخلق مناخاً ثقافياً وسلوكياً يخرج النظام من قواعد التنظيم..