لم يكن التقرير الذي بثته قناة "الجزيرة" ليلة السبت الماضي (22 /10 ) حول جرائم الاحتلال الأمريكي في العراق يحمل الكثير من المفاجآت ..ذلك لأننا تابعنا وتابع العالم جرائم أمريكا مباشرة وعلى الهواء في العراق وفي أفغانستان،حيث يتم قتل المواطنين وبشكل يومي ومبرمج ومثل ذلك في باكستان وأفغانستان والصومال إلا أن المثير في تلك الوثائق أن هذه الجرائم كانت تجري بشكل موثق ومتعمد مع سبق الإصرار مع الأجهزة الأمنية العراقية وبمعرفة الحكومات العراقية المتتابعة وعلمها ، والتي لم تحرك ساكناً هذا إن لم تشارك فعلياً .ولقد صورت الكاميرات وسجلت الأقلام ونقل المراسلون عن تدمير مدينة الفلوجة بالطائرات والصواريخ والمدفعية الأمريكية بعد محاصرتها من جميع الجهات وقطعها عن العالم الخارجي ،وأعمل القتل ضد أهالي الفلوجة بشكل ممنهج وهمجي لم يسبق له مثيل في التاريخ إلا في مذابح تدمير بغداد على أيدي التتار وقتل مئات الآلاف من أهلها ،ومثل ذلك مذابح الصليبيين في القدس وغيرها من ربوع الإسلام .لقد سمعنا الناطق باسم الحكومة العراقية أثناء وبعد مجزرة الفلوجة يهون ويخفف من خطورة هذه المجزرة ومثيلاتها ..لقد أبعدت فضائيات وصفي مراسلون وقتل صحافيون من أجل إخفاء الحقيقة حول تلك الجرائم، ولكن رغم ذلك لا بد للحقيقة أن تسطع كما شمس النهار ولا بد أن يماط اللثام عن المجرم الحقيقي الذي خطط ونفذ وشارك بل وصمت.
يأبى التاريخ إلا أن يفضح جرائم أمريكا حامية حمى الديمقراطية وراعية حقوق الإنسان خاصة الإنسان العربي لتظهر حقيقة هذا الأمريكي الذي روجت له الأنظمة العميلة في المنطقة؛ إنه جاء ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، واستقبلت الدبابات وراجمات الصواريخ بالأرز والورود وزغاريد النساء لتظهر تلك الصورة البشعة لذلك الأمريكي بدون رتوش ولا تزوير .. ثم بعد ذلك توضع فضائيات وأشخاص وفصائل ومنظمات مقاومه بل ودول على قائمة الجهات الداعمة للإرهاب .
إن أمريكا ما كان لها أن تدوس الإنسان العربي والمسلم مهما بلغت قوتها لولا مساهمة ومشاركة الأنظمة الحاكمة التي جيء بها على ظهور دبابات الاحتلال ولولا الأحزاب العميلة المشبوهة التي مهدت للاحتلال وهيأت الساحة لذلك إلا أن هذه الأحزاب تفاجأت عندما استعملتها أمريكا لمرة واحده ثم ألقت بها في سلة المهملات ومن ثم إلى مزابل التاريخ .
إن تستر أمريكا وأجهزتها وشركاتها الأمنية على عمليات التعذيب والقتل والسحل وإخفاء الجثث وسحق النفس الآدمية وإهانة بني البشر وقمع الحريات وكتم الأنفاس وملاحقة كل مشتبه يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك ان الكل شريك ويدور في نفس الدائرة.
إن أمريكا التي سمحت لنفسها أن تتجسس على دول صديقة وشريكة لها في حملاتها الإعلامية والعسكرية فيما يسمى بالحرب على الإرهاب، وذلك باستخدام قواعدها الموجودة في تلك الدول أو في المطارات والمعسكرات من أجل استجواب المشتبه بهم دونما حياء أو خجل أو دبلوماسية إلا أن هذه الدول شعرت بالإهانة وخرجت عن صمتها وكشفت المستور واعتقلت ضباط الـ(C.I.A )بل قامت بمحاكمة هؤلاء الضباط وأصدرت بحقهم الأحكام المتناسبة مع حجم الفعل .
لقد قامت أمريكا باعتقال تعسفي بحق الكثير من الشباب المسلم بعد غزو أفغانستان ووضعتهم في سجن غوانتنامو في منطقة نائية بعيده كل البعد وفي ظروف غاية في القسوة حيث تعرض هؤلاء السجناء لأساليب بربرية قاسية يصعب على القلم أن يصف تلك القسوة التي لقيها هؤلاء الناس كل ذلك في إشارة أن من يسيء إلى الإنسان الأمريكي- السوبر مان –سيكون مصيره الويل والثبور وعظائم الأمور , يجب أن يسخر كل العالم بأنظمته وقادته وأجهزته لخدمة وحماية (الكاوبوى) الأمريكي لأن ما سوى الأمريكي ليس من صنف البشر ولا يساوي في المفهوم الأمريكي ثمن شرائح(الهمبورغر )أو زجاجة البيبسي .
لقد رأينا المحققين الأمريكيين يأخذون صوراً تذكارية مع السجناء العراقيين في سجون النظام الحاكم وهم في حاله مزرية من الجوع والتعب والإجهاد والعري شبه الكامل وهذا ما فعله شركاؤهم الإسرائيليون مع الأسرى الفلسطينيين .
إن من ما يدمي القلب أن نجد دولاً بكامل مؤسساتها وأجهزتها الأمنية وأحزابها ورجالاتها المتعددة من سياسيين وعسكريين وأمنيين في خدمة الدور الأمريكي في العراق وغيرها من دول المنطقة.
لقد كان المتحدث العراقي بعد هذه الفضيحة فاقداً لكل معنى من معاني الإنسانية ناهيك عن الوطنية وهو يبرر ويهون من شأن هذه الوثائق وأنها كشفت في وقت مقصود الهدف من منع تشكيل الحكومة العراقية برئاسة الملهم المالكي ... ثم قال هذا ( الفهلوي ) إن الذي عمل على كشف هذه الأوراق في هذا الوقت بالذات هدفه خلط الأوراق على الساحة العراقية.
إن ما حصل في الفلوجة زمن إياد علاوي من دمار شامل طال كل نواحي الحياة الإنسانية جراء قصف الطيران الأمريكي ودون هوادة أياماً وليالي حيث شمل الدمار كل شيء وملأت الجثث الشوارع ولم يجرؤ أحد على الاقتراب منها سوى الكلاب تنهشها وتأكل ما بقي منها .. كان رد الحكومة العراقية في ذلك الوقت لا يقل تفاهة عن البيانات الأمريكية فأي أنظمة هذه وأي حكومات ووزراء ووزارات ومؤسسات كلها في خدمة المحتل.
لقد دفع العراق وشعب العراق ثمن امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل التي لم يكن يملكها أصلاً وبقي رأس النظام الذي وضعته أمريكا سالماً , وهاهو الشعب الباكستاني يدفع نفس الثمن ومثله الشعب الصومالي والأفغاني وكذلك الشعب الفلسطيني وشعوب أخرى، وكما قال أحد المراسلين : إن أمريكا تسلح الجيش الباكستاني ولكنها تقصف الشعب الباكستاني , وأمريكا تتعامل مع النظام الباكستاني أمنياً ولكنها لا تثق بمخابراته , وهي تدعم باكستان مالياً ولكن ليس على حساب الهند .
إن وضع العراق المأساوي لا يختلف كثيراً عنه في عالمنا العربي والإسلامي فها هو صديقنا ( دايتون ) وخليفته مولر يساعدون الشعب الفلسطيني في مجال الأمن وتأسيس أجهزة أمنيه قوية ، وفي نفس الوقت يشرفون على اعتقال وتعذيب الشعب الفلسطيني .إننا أمام هذه الوثائق المخزية والتقارير المؤسفة حول دور أمريكا في إهانة شعوب المنطقة العربية والإسلامية وسط تواطؤ مشين من الأنظمة تلك الوثائق التي تحدثت عن مأساة العراق لا بد أن يأتي يوم يكشف فيه المستور عن خطورة دور أمريكا و(إسرائيل) فيما يتعرض له الإنسان الفلسطيني اليوم.
إن أخشى ما نخشاه أننا مقبلون على مرحلة غاية في الخطورة إذا استمرت الاعتقالات بهذا الشكل المهين المستمر بأن تخرج الأمور عن السيطرة وتدخل بلادنا خاصة في فلسطين في مرحلة لا يعلم لنا منها مخرجاً إلا "الله" ،وكما كشفت صحيفة "الغارديان" البريطانية حول دور الإدارة الأمريكية المباشر في الحرب على حركة حماس ، ثم إن أمريكا و(إسرائيل) تغذيان الشعور لدى السلطة الفلسطينية وببيانات كاذبة ومضخمة عن خطر حماس على السلطة الفلسطينية والسلطة تصدق ذلك مما يؤدي إلى استمرار عمليات الاعتقال والتعذيب وربما أبعد من ذلك.
إن الرد الرسمي العربي حول هذه الجرائم مؤسف ومقلق ولا يقنع المواطن العربي بأي حال ويضيف إلى المواطن العربي مخزوناً جديداً من الهم والضغط النفسي وحالة من الاحتقان التي قد تتفجر بأي وقت وقد يكون لها نتائج غير محسوبة ، ولذلك فإن المطلوب من الجميع وعلى رأسها الأنظمة وأجهزتها أن تبدأ عملية مصالحة مع شعوبها وأن تزيل حالة الاحتقان وأن تنحاز إلى جانب هذه الشعوب قبل أن تلفظها تلك الشعوب غير مأسوف عليها مهما كان ثمن ذلك , ثم إن ما جرى من كشف لهذه الوثائق يجب أن يدق ناقوس الخطر وبشكل فوري عند كل الجمعيات الحقوقية والإنسانية والفصائل الفلسطينية من أجل وقف الاعتقال السياسي وانتهاك حقوق الإنسان الفلسطيني ، لأن الإنسان الفلسطيني لا يستحق هذا الألم وهذا العذاب وهذه الإهانة التي تتراكم يوماً بعد يوم ، والتي سيكون لها نتائجها الكبيرة والخطيرة إن استمرت .
وأخيراً فإن الطغيان مهما على وانتفش فهو إلى زوال ثم إن إرهاصات زوال وانهيار إمبراطوريات الظلم وعلى رأسها أمريكا بادية للعيان أكثر من أي وقت مضى وما سقوط وانهيار نظام شاه إيران والاتحاد السوفيتي السابق عنا ببعيد .