أعطني حريتي

نشر 23 أكتوبر 2010 | 09:09

من أهم الحريات التي تكفلها الديمقراطية هي حرية الرأي, وأكاد لا أتجاوز الحقيقة إن قلت: إن الديمقراطية في أسمى مراتبها لا تصل إلى الحد الأدنى مما كفله الإسلام لهذه الحرية, فجعل الساكت عن الحق في مرتبة الشيطان الأخرس, فمن كان على الحق فلا يتردد في أن يجهر به, وهو ما دعى إليه النبي الأكرم وأراده بقوله: (إن لصاحب الحق مقالاً) أي يجب أن يستمع إليه الآخرون وفي مقدمتهم محمد صلى الله عليه وسلم, فإذا ما أفصح عنه وسمعه أولو الأمر, أو المعنيون به, فأعطوه الاهتمام اللازم ووضعوا له الحلول ونفذوها, عندئذ تستقيم العلاقة على أساس من الثقة والعدل, وزالت أسباب كان من الممكن أن تحدث خلخلة في البناء الاجتماعي ويستفحل الظلم.

 

إن صرخة المولود هي أول ما يعبر به عن معاناته, أو ضرورياته, ولا تستطيع قوة على الأرض أن تسلب منه قدرته على الصراخ الذي ما كان إلا لرفع المعاناة من جانب, وتحرير الإنسان من أسبابها من جانب آخر , تأخذ الصرخة أشكالاً ولها أساليب, ففي فترة السجن لم يستطع الصهاينة – مع فرط مراقبتهم - أن يمنعوا سجينا من أن يتواصل مع تنظيمه, أو أهله أو أصحابه أبداً, ولن يستطيعوا...

 

فقد ابتكر المساجين كيفية لف رسائلهم على شكل كبسولات تعجز أحماض المعدة أن تذيبها إذا ما ابتلعها أحد المفرج عنهم, فكانت أمعاؤه خير ساعي بريد, رأيت أحدهم وقد ابتلع أكثر من سبعين كبسولة, تشكل كتابا تزيد صفحاته على المائتي صفحة, وهو ما فعله الشهيد سيد قطب الذي وضع كتابه العظيم (في ظلال القرآن) في السجن, وأخرجه من بين القضبان, أو من بين أنياب السجانين, أو من بين غابات الهراوات الثقيلة التي طالما حطمت عظام المسجونين...

 

وهو ما فعله جواهر لال نهرو الذي كتب أعظم كتبه وهو في زنزانته, ثم أخرجها بنفس الطريقة التي اعتادها المسجونون, لتكون أعظم كتاب سياسي اجتماعي يحمل اسم (رسائل نهرو) إلى ابنته (أنديرا غاندي) فكانت رسائله لها هي دستور حياتها, وهي الطريق التي سلكها مصطفى أمين الذي كتب سنة أولى سجن وسنة ثانية وسنة ثالثة, ليرسل بها إلى صديقه الصحافي اللبناني الشهير سعيد فريحة ليقوم بنشرها, وهي نفس الطريقة التي نشر – أيضاً - بها كتابه (صاحبة الجلالة في السجن)؛ أي الصحافة... وهو ما فعله (بوريس باسترناك) فأخرج كتابه دكتور زيفاجو لتصنع منه هوليوود فيلماً يحمل ذات الاسم, رغم أن المؤلف كان وراء الشمس, فلا يرى أحداً ولا يراه أحد من وراء الستار الحديدي الذي فرضه ستالين وخورتشوف, وألكسي كاسيجن وليونيد بريجينيف حتى أحدث جورباتشوف فيه شرخ الإصلاح (البيروسترايكا) أدى إلى انهياره , ثم انهيار الاتحاد السوفييتي الذي انفرط عقده..

 

إن كاتم الصوت يغري كل الألسنة بالتسلل عبر الثقوب أو الشقوق أو من تحت أعقاب الأبواب, هذا في الماضي, وأما في عصرنا فالفضاء مفتوح, والصحافة الإلكترونية لها ذيوع وانتشار, وليس لها من أبواب أو جدران أو قضبان, ساحاتها براح, وتلعب بها كل ريح حتى وإن كانت نتنة, كما أن الدواوين والحواري والمقاهي والسيارات منتديات للقيل والقال, والتأويل والدبلجة والإفك, ولا يجدي مع ذلك أي كاتم صوت ولا مقص رقيب, ولذا فمن باب أولى أن يعبر أصحاب الحق عن حقوقهم, وليبين العليمون ببواطن الأمور حقيقة ما يتردد على أطراف ألسنة السوء ومنتدياتهم, وليفسح المجال للنقد البناء والهادف, وإلا فإن الأقلام الهدامة والمأجورة سيكون له الظهور فتزرع بذور الفتنة والبوار.