فضائيات سلفية خرجت عن المسار فمنعت!!

نشر 22 أكتوبر 2010 | 01:45

لفتت السلطات المصرية الانتباه بوقفها بث ثلاث من الفضائيات السلفية هي (الخليجية، الناس، والحافظ)، ثم أتبعتها بفضائيتين أخريين هما (الصفا ووصال)، قبل أن تمتد الحملة لتطال 12 قناة مع إنذار عشرين أخرى ينتمي معظمها لذات اللون السلفي، مع قناة شيعية واحدة حتى الآن (فضائيات الشيعة والسلفيين تكاثرت على نحو مذهل خلال الأعوام الأخيرة والسياسة ليست بعيدة عن اللعبة من دون شك).

 

ما قيل عن أسباب المنع (مخالفة شروط الترخيص) هو مجرد عنوان عام، أما الحقيقة فتتعلق بتورط الفضائيات المذكورة في لعبة التحريض الطائفي ، تحديدا ضد الأقباط، الأمر الذي دخل في نطاق المحرمات بالنسبة للحكومة التي لا يمكنها احتمال تداعيات فتنة طائفية سيكون تأثيرها كبيرا على البلد برمته.

 

الأهم من ذلك يتمثل في عدم قدرة الحكومة على احتمال هذا اللون من الخطاب تبعا لرفضه من قبل الخارج الذي يمنح الغطاء السياسي للتضييق على المعارضة (البابا شنودة مؤيد دائم للحزب الوطني)، والخلاصة أن قمع الإخوان شيء، وقمع الأقباط شيء آخر. صحيح أن الجزء الأكبر من التمييز الذي يرى الأقباط أنهم يتعرضون له هو من فعل الحكومة، إلا أن ذلك يختلف عن التورط المباشر في التحريض ضدهم، وفي الآونة الأخيرة صدرت تصريحات متعددة من قبل بابا الفاتيكان وبعض مساعديه تتحدث عن تأثير الإسلام السياسي على المسيحيين في المنطقة، فيما ندرك أن تلك التصريحات لا تفرق بين المجموعات الإسلامية، حيث لا ترى كثير فرق بين المجموعات السلفية التقليدية وبين السلفية الجهادية، فضلا عن الحالة الإخوانية ومن يدورون في فلكها.

 

الذي يلفت الانتباه أن أكثر الدول العربية كانت دعمت الفضائيات المذكورة والمجموعات التي تقف خلفها لأكثر من اعتبار أهمها مواجهة العمل السياسي الإسلامي المعارض، وبتعبير أدق، مواجهة الجماعات الإسلامية التي تشتغل في السياسة، وبالطبع عبر الحديث عن حرمة الأحزاب والجماعات والمظاهرات، وضرورة طاعة ولي الأمر ولو جلد الظهور وسلب الأموال، بل عدم جواز مجرد انتقاده في العلن (هناك دول دعمت التيار الصوفي).

 

الجانب الآخر الذي يدفع نحو دعمها في هذه المرحلة على وجه التحديد هو التحريض ضد الشيعة وإيران، وفي هذا السياق "تألقت" الفضائيات إياها، من دون أن ننسى أن هناك فضائيات شيعية كثيرة ينتمي أكثرها إلى تيار "الشيرازيين" المتطرف تمارس تحريضا من النوع الرخيص، وتسبّ الصحابة وتشكك بمذهب السنة على نحو يصل حدود التكفير، بل يتجاوزها في بعض الأحيان.

 

عندما تجاوزت الفضائيات المذكورة المتفق عليه وذهبت تحرض على الأقباط وقع لجمها ، ولو تورطت المجموعات السلفية في التحريض ضد المسيحيين في أي بلد عربي لتم لجمها ، وهي عموما (أكثرها بتعبير أدق) تعرف حدودها، فإذا كان المطلوب هو الحديث عن حرمة الديمقراطية والانتخاب من أجل فضّ الناس من حول الأحزاب الإسلامية المشاركة في الانتخابات رأيت لقادتها صولة وجولة على هذا الصعيد ، وإذا قاطعت تلك الأحزاب سكتوا ، لأن المطلوب هو زيادة نسبة الاقتراع،،

 

وفيما تقول هذه المجموعات إنها لا تتدخل في السياسة (من السياسة ترك السياسة كما يقول بعض قادتها)، فإن تصديها للشيعة هو عمل سياسي، وحديثها عن حرمة الديمقراطية والأحزاب والمظاهرات وسواها هو عمل سياسي أيضا، لكنه ينسجم مع حاجة الحكومات، والنتيحة أنها تمارس السياسة التي تنسجم مع متطلبات السياسة الرسمية (المفارقة أنها كانت تحرّم التصوير ثم صار لها فضائيات حين استدعت الحاجة،،).

 

الأرجح أن تكف تلك المجموعات عن التحريض ضد الأقباط ، أعني من تورط منها ، بينما تواصل فعلها في دعم الأوضاع القائمة سياسيا، مع التحريض ضد الشيعة "الروافض"، وكذلك إيران التي تهدد الأمة، مع تجاهل مقصود لوجود مشروع أميركي صهيوني يهددها على نحو أكثر خطورة بكثير، هذا إذا صح أن إيران يمكنها أن تهدد أمّة السنة وتغير مسار التاريخ بالفعل.

 

لا يستبعد أن يكون لجم بعضها قد وقع في سياق من البحث عن صيغة للتفاهم مع إيران مؤقتا، أو مساومتها، لكن الأرجح أن قضية من هذا النوع لن تستمر طويلا، وستعاود تلك الفضائيات عملها من جديد بعد تعديل محدود في خطابها.

 

هو العمى السياسي معطوفا على ضرورات العمل والتمويل ورضا من يملكون القرار، والمصيبة أن يتورط في ذات الخطاب أناس متدينون ومسيسون لا يفرقون بين الألوان، ولا يعرفون أن الأعداء يريدون تفتيت الأمة، وأن عدوهم الحقيقي هو من يهدد مصالحهم بصرف النظر عن مذهبه.

 

من المؤكد أن الحالة السلفية ليست واحدة في التعاطي مع قضايا الأمة، إذ تتعدد الألوان وتختلف المواقف، ولا شك أن هناك من بينها من يتسم بالوعي والعقلانية، بينما تتراوح الأخرى بين التجارة ومحدودية الوعي (الإخلاص مسألة أخرى علمها عند الله)، وهي تحرف عقل الأمة نحو مسارات عبثية تضع الحب في طاحونة الأعداء.

 

يبقى القول إن الجزء الثاني من عملية وقف الفضائيات قد انطوى على كلام جيد وأسباب وجيهة من الطرف الرسمي المصري، مثل التصدي لألعاب الشعوذة والنصب والعلاج الكاذب، لكن الأكيد أن ذلك جاء تابعا للأسباب الأساسية بهدف منح القرار بعض المصداقية، ولا يعرف لماذا لم تشمل الحملة فضائيات التحريض الشيعي أيضا.

 الحقوق التاريخية

د. يوسف رزقة

 

فلسطين بين (التاريخ والواقع) قصة تختصر حياة الشعب الفلسطيني في مساحة زمنية في ستة عقود ونيف . في العقد الأول والثاني من بدء النكبة كان الخطاب الفلسطيني يتحدث عن فلسطين واحدة ، هي المساحة الجغرافية الممتدة بين البحر والنهر وبين رأس الناقورة وأم الرشراش . منذ عام 1988 م ، وفي ظل (منظمة التحرير) ، وقيادة حركة التحرير الوطني (فتح) صار الخطاب الفلسطيني يتحدث عن (فلسطين وفلسطين) . فلسطين الأولى هي (فلسطين التاريخية) التي احتلها الصهاينة في عام 1948م ، وفلسطين الثانية هي (فلسطين الواقع) أو الأرض التي احتلت في عام 1967م.

 

لقد نشأت (م.ت.ف) وحركة (فتح) من أجل تحرير فلسطين التاريخية وظلت لذلك حتى بعد هزيمة 1967م، إلى أن كان إعلان الدولة في الجزائر في عام 1988 حيث صار للشعب الفلسطيني وطنان الأول تاريخي والثاني واقعي ، والاثنان تحت الاحتلال الصهيوني والاختلاف الوحيد هو عام الاحتلال وعمره؟!

 

إنه ومنذ أن وقعت هذه القسمة تناسى القادة الوطن الأول وأسموه فلسطين التاريخية ، وبالأمس القريب وضع محمود عباس النقاط على الحروف لكي يطمئن الإسرائيليين قائلاً للإعلام العبري بالبنط العريض (نحن على استعداد للتخلي عن المطالب التاريخية وإنهاء الصراع حال التوصل إلى تسوية وقيام الدولة على حدود 1967).

 

عبارة السيد محمود عباس تتضمن شيئاً أكثر من النسيان ، لأن نسيان فلسطين التاريخية أرض الآباء والأجداد لا يعني نسيان المطالب الفلسطينية أو التخلي عنها ، لأن من أهم المطالب الفلسطينية عودة اللاجئين إلى ديارهم وممتلكاتهم وتعويضهم بحسب القرار الأممي 194 ومدلول التخلي عن المطالب هو التخلي عن حق العودة والتعويض ، وهو أمر لا يملكه محمود عباس ولا تملكه (م.ت.ف)، لا يسبب انتهاء ولاية عباس ، وانتهاء ولاية اللجنة التنفيذية للمنظمة فحسب ، بل لأن حق العودة حق شخصي غير قابل للتصرف ، وتدعمه قوانين وقرارات دولية ، ومهما بلغت (إسرائيل) من القوة والسيطرة فإن حق العودة يبقى قائماً ، وهو حق للأجيال الفلسطينية ، فإذا كان هذا الجيل ضعيفاً بلا سند عربي أو إسلامي فغداً يأتي جيل قوي يستند إلى ظهر قوي بإذن الله.

 

لقد أعلنت مصر في عهد السادات انتهاء الصراع بعد أن استعادت تراب سيناء ، غير أن الذي انتهى هو الحرب المباشرة ، لأن حالة الصراع كامنة وتحت الرماد في النفس الصهيونية وفي النفس المصرية التي تراقب العدوان الإسرائيلي ، والاستعداد العسكري الصهيوني الذي يهدد مصر وغيرها من الدول العربية .

 

انتهاء الصراع لا يكون بتوقيع رئيس ، ولا إعلان في محفل أو فضائية ، الصراعات عادة تنتهي عندما تستعيد الشعوب المظلومة حقوقها ، أو حين تموت إرادتها وقوتها وتلفها المقابر ، والشعب الفلسطيني لم يمت ، ولم يستعد حقوقه ، وما زال شعباً شاباً فتياً يقبض على حقوقه بنواجذه ، لذا فلا قيمة لتصريحات عباس في هذا المجال .