عاد عند الغروب, دق الباب, ردت عليه أمه قائلة قبل أن تفتح له: مبارك, لقد (جاءك) توأمان!! شعر بدوار حقيقي كمن نهض فجأة بعد طول جلوس, ركز رأسه بالجدار, أفاق على نفسه وهو يردد: لا حول ولا قوة إلا بالله, وشريط سريع يمر من أمامه, ففي خمس سنوات وبعض أشهر يرزق بأربعة وهو على هذه الحال من شح المورد, والديون تكاد تكسر ظهره, ويطير راتبه -على قلته- إلى جهات الدنيا الأربع, وتجربته مع طفليه السابقين ليست مريحة, فلقد أعياه مرضهما المتكرر!!
ثم مرت صورة أكثر من صديق أو زميل قد حرما نعمة الخلفة, وتشويهم نيران الشوق (للولد) !! وكثيراً ما يكلف نفسه بخطاب وعظي مفعم بالتفاؤل لإطفاء تلك النيران المشتعلة في قلوب أصدقائه وزوجاتهم... فتحت له والدته الباب ... رآهما, فوجئ بصغر حجميهما... قذف الله –فجأة- في قلبه محبتهما...انحنى فقبلهما...
لهما كل ما لدى الكبار من الأطراف والحواس.. نظر إلى أصابعهما فتخيل أنهما عيدان من الكبريت.. وأخذت أمه تعبر عن سعادتها بتلقائية جعلته يسايرها, سمع لأول مرة جارته تقول: سبعاوية, لترد أمه: لا... تسعاوية!!
فهم بعد حين أنهما ولدا لسبعة أشهر حمل على رأي الجارة, وقد ترجح قولها, وعرف أيضاً أن وزن أحدهما كيلو جراماً ووقية (1250 جراماً) ووزن الثاني كيلو جراما وثلاث أواق (1750 جراماً)... أشارت عليه الجارة: اذهب إلى الدكتور بعد أن سمعت أنفاسهما تخرج بصعوبة... وفعلاً... أوصى الطبيب أن يدخلا قسم الأطفال الخُدّج, رفضت الطبيبة قائلة: قد أخذا عدوى, وأخاف على من في القسم..
وقف مذهولاً: هل يعني ذلك أن ترمي بهما إلى الموت؟! كانت لهجته حادة, فأحدثت أثرها.. فوافقت على استضافتهما ولكن في غرفة معزولة كما لو كانت زنزانة منفردة... مر الشهر والشهران والثلاثة حتى صارا كولدين طبيعيين, ازدادا وزناً, وأخذت( أجهزتهما) تعمل بكفاءة..و غمرته سعادة مضاعفة برجوعهما... ولم يكن ينتظر أن يرافقهما في رحلة الحياة التي مضى منذ ولادتها أربع وثلاثون سنة, أصبحا رجلين.. درسا, تحصلا على وظائف, تزوجا, رزقا بأطفال..
أربع وثلاثون سنة بدأت بإشارة واعية من جارته فذهب بهما إلى الطبيب, ثم برعاية من الطبيبة التي رفضت قبولهما, ثم تراجعت فأخلصت في رعايتهما كما لو كانا ولديها, رغم إدراكها أن جهاز المناعة لكل منهما ضعيف ضعيف ضعيف, لا يقوى على مقاومة نسمة خفيفة, كما لا يقوى على التصدي لأي ميكروبة تتسبب في زكام أو رشح أو نزلة معوية, فكانت لهما جهاز المناعة القوي...
وعلمتُ أنها جندت فريقاً من الممرضات والممرضين ليوافوها بكل جديد عن صحتيهما.. ثم برعاية -لا حد لها- من أمه كانت تشعره -أحياناً- بالضيق لفرط المبالغة, إذ كانت تمنع أحداً من الاقتراب أو التصوير كما لو كان مهديهما ثكنة عسكرية, بل وصل أحيانا أن تؤنب أمهما إذا سمعت بكاء أحدهما.. حتى لو توافقتا أن تقوم كل واحدة منهما برعاية تامة لواحد منهما, ولا تتدخل في شأن الآخر...
ورغم ذلك لم تهدأ النصائح أو التدخلات التي تصل إلى حد المشاجرات.. الأمر الذي اضطر الجميع أن يقوم عمهما برعاية أحدهما وتربيته, فانفصلا لأول مرة لتصبح الأسرة موزعة بينهما..
والجواب هو الجواب على السؤال المتكرر: أين كنت غائبا؟؟ عند فلان ( أحد التوأمين) ... كانا على درجة كبيرة من الشبه تدفع الآخرين إلى الحيرة في التمييز بينهما... طال الانفصال الذي انتهى ككل شيء له بداية, التم شملهما وهما –بعد- في سن الطفولة الأولى... عرف كل من حولهما أن أحدهما صدى للآخر...
لا يهنأ أحدهما إلا بوجود الآخر, وكأنهما فريق مستقل عن الباقين.. يتقاسمان كل شيء، الملابس والطعام والأسرار.. إذا أخطأ أحدهما برر له الآخر خطأه, وإن اختلفا فسرعان ما يتفقان, وإن تشاجرا فسرعان ما يتصالحان!! أهي فطرة..؟؟؟ لست أدري إلا أنهما توأمان.. كانت رحلة حياتهما صورة من العذاب العذب.