المصالحة شعور وجداني بأهمية الآخر ، وإحساس يتنامى يدفع إلى الاقتراب ونسيان ( الأسى) الذي كان سبباً في الخصام، ولا يمكن أن تتحقق باستمراره أو مقدماته ودواعيه ، لأن ذلك كله يبعث على الريبة والتوجس، ومع استمراره تجف مياه القلوب وتفقد رقتها ، وتمسى قاسية كالصخر، لا تعرف حناناً ولا شفقة بل جموداً، وغلظة ، مما يجذر العداوة وسوء الظن، فتتعمق شقة الخلاف، وتتجذر القطيعة، وإذا كان هذا من البديهيات فإن لقاءات المصالحة التي ضمت موسى أبو مرزوق وعزام الأحمد مهددة بالفشل..
الذي أخشى أن أقول: بات وشيكاً؛ لما يجري في الضفة الغربية من اعتقالات وملاحقات ومصادرة وتكميم أفواه من قبل أجهزة الأمن، حتى ولو كان على شكل مناورات لإثبات إتقان التدريبات التي تلقتها تلك الأجهزة على يدي دايتون يوم إنهاء خدماته، وطمأنة مولر يوم مباشرة عمله، هذا من جانب...
ومن جانب آخر فلا يمكن أن تسهم هذه التصريحات ( الخرقاء ) للمدعو ياسر عبد ربه التي أطلقها كقذيفة من القمامة ( سنعترف بـ(إسرائيل) كدولة قومية يهودية مقابل حدود 1967 ) ظناً منه أن هذا الشرط معجز، إذ من المحتم أن (إسرائيل) ستتلقفه وتبني عليه خطة مستقبلية تنتزع به اعترافاً مقابل وعود لن تتحقق، بل ستوسع من نطاق خياراتها واشتراطاتها ، كما هي العادة مما يدعو كل حر وشريف إلى الاعتقاد بأن تصريح عبد ربه لم يأت مصادفة، بل من المتفق عليه، وهو ما كشفت عنه عقول الباحثين وما بين أيديهم من وثائق؛ أن كل الاتصالات والزيارات والاتفاقيات التي جرت بين زعماء عرب والكيان الإسرائيلي كان معداً لها سلفاً، ولم تكن مصادفة، ولا خاطرة شاعر ولا نزلت فجأة كوحي من السماء...
وهذا لا يمكن أن يسهم في إنجاح المصالحة المأمولة ، كما لا يمكن أن تسهم زيارات قادة أجهزة الأمن الإسرائيلية لمدن الضفة وقراها كعامل يؤكد استمرار التنسيق الأمني وعلى أعلى مستوى كتلك التي قام بها سكرتير نتنياهو إلى جنين ، وهو ما وصفه النواب الإسلاميون بترجيح كفة الجلاد على الضحية !! فكيف للضحية أن تتصالح مع جلادها، أو مع من يسوقها إلى المسلخ ، رغم أن هذا الجلاد لم يتوقف عن مصادرة الأرض وذبح الإنسان الفلسطيني ، بيد من ينشد المصالحة ؟!
فقد اقتطع الاحتلال أكثر من ألف دونم من أراضي نابلس في الأربعة والعشرين الساعة الفائتة بينما عباس ( الداعي للمصالحة ) لا يتخذ قراراً بوقف التنسيق على الأقل ، ولا يزال يعول على أمريكا، وهي التي تعترف اليوم بما قرره الكنيست قانوناً (أي يهودية الدولة) ولم نسمع منه ما ينبئ عن رفضه لما صرح به (أرييه ألداد) من أن الأردن هو الدولة الفلسطينية، بل إن ما يتردد من خبر شراء عباس لقصر في الأردن يتساوق مع تصريح ألداد، ويكشف عن رضا عباس به كحل استراتيجي للقضية الفلسطينية ، فكيف إذن ستكون المصالحة وعلى أي أساس وعلى أي وطن ؟ ثم إننا لم نسمع منه ما يلجم هذا الخائن المأفون ياسر عبد ربه في مقامرته بالقضية الفلسطينية.
إن الذي يجري يحتم على حماس أن تتوقف طويلاً، ليس فقط لالتقاط الأنفاس ، ولكن للنظر بحدة إلى الأمام وإلى الجانبين وإلى ما تحت الأقدام؛ عسى أن هناك شراكاً وألغاماً وحفراً مليئة بالمتفجرات توشك على الانفجار، إذا ما أحست باقتراب حماس منها ، وعساها ترى الجيش الإسرائيلي الذي يحاصر منزلاً في سيلة الحارثية ( جنين ) وترى من يدلهم أو يساعدهم ، ومن منهم الذي سيطلق النار على المحاصرين، عساها تجد يداً من بين تلك الأيدي التي تطلق النار ثم تشترك في التوقيع على المصالحة...
كما عساها ترى تدريبات الجيش الإسرائيلي على كيفية طرد الفلسطيني ( سنة 48) من أرضه، ثم إلغاء وجودنا بالكلية على هذه الأرض كثمرة من ثمرات السلام!! وقد يجد من جعل الاصطياد في الماء العكر حرفته ما يسوغ له أن يشيع من خلاله أنني لا أريد المصالحة!! لأقول: لا بل أريدها، ولكن فلسطينية؛ يحل بها الوئام محل الخصام، واعية لما يخطط يهود، ترفض التنسيق الأمني، تطلق الحريات، وتغلق السجون، وتعيد للبرلمان الحياة، وتعزز سيادة القانون، وتوجد مناخات حسن الظن، وتكسر الحصار قبل أي توقيع، وتقطع لسان ياسر عبد ربه، وإلا ؛ فلا تأمنوا للمقاطعة ولا لذلك المأفون المدعو ياسر عبد ربه.