نشأت الكرمي ..ظاهرة أم مجرد حدث عابر

نشر 13 أكتوبر 2010 | 09:01

لم أستطع حبس عبرتي عندما انحنيت لوداع الشهيد نشأت الكرمي - رحمه الله تعالى - ، هذا الشهيد رغم حداثة سنه قد ملك مهابةً وحياءً وابتسامة لم تفارق محيّاه طوال فترة لقائنا به في سجن مجدو في العام 2006م ، لكن من المفارقات أنه عندما قبلت جبينه شعرت أن ابتسامة نشأت لم تفارقه حتى وهو يفارق الدنيا رغم الدماء الزكية والتراب الذي عفر وجهه ، إنها نفس الابتسامة التي كان يبادرنا فيها عندما كنا نلتقي في فورة القسم 10 ، لقد حمل جثمان الشهيد من مدينة الخليل حيث فارق هذه الحياة راضياً مرضياً إلى مدينة طولكرم حيث المَربى والأهل والأحبة ، وما هي إلا لحظات على وصولها ووداع أهل الشهيد له شعرت أن الجنازة كادت تطير بعد الصلاة عليها في مسجد سيدنا عمر بن الخطاب ثم إلى مقبرة المدينة ، وكأنها تنادي وتقول قدموني قدموني ، كيف لا وهي ذاهبة إلى جوار ربها مشتاقة للقاء الأحبة ..

 

نشأت الذي تربى في ظل عائلة الكرمي العريقة بالعلم والأدب ، وأصحاب القلم ، وكذلك المناضلين المجاهدين ، فهو أيضاً تربى في ظل أسرة كريمة صاحبة تدين والتزام وفي ظل بلد كريم ، فقد أبى دمه الطاهر إلا أن يعطر ويروي تراب الخليل ، وأبى جسده الطاهر إلا أن ينغرس في ثرى طولكرم .. طولكرم الحب والعطاء .

 

لقد فجعنا نشأت برحيله كما فجع الكثيرين من محبيه ، ولكن عزاءنا أن الله اتخذه شهيداً فلا نقول إلا ما يرضي ربنا ، فإذا كان الظالم قد ظن أنه قد حقق نصراً فقد خاب فأله ، فإن من أبكى الصادقين لا بد له أن يبكي يوماً ، وإن من أحزن الخيرين لا شك أنه سيحزن يوماً.

 

إنها جولة من ضمن جولات مستمرة منذ عشرات السنين .

وما بين عرس الشهيد إياد شلباية وعرس الشهيد نشأت الكرمي وأخيه مأمون النتشة أسبوعان بالتمام والكمال ، فقد سقط الثلاثة في ليلة مباركة ، ولعلها إشارة على رضوان الله وتكريمه لهذا النفر من الناس ، ولكن هل طويت الصفحة ، وهل انتهى كل شيء في آخر اليوم الثالث حيث يغلق بيت العزاء ويذهب كل إلى بيته ، ومنهم آل الشهيد ؟!

 

حقاً لم ينته كل شيء ، ذلك أن الثقة بالله عظيمة وكبيرة ، وهذا هو سر صبرنا واحتسابنا بأن هناك رباً خالقاً عظيماً كبيراً، وهو القادر على الانتقام الفوري والسريع، فقيمة العبد الصالح في ميزان الخالق عظيمة وكبيرة ....

 

غبي من ظن أن توسيد الشهداء الثرى هو قمة الانتصار للباطل ونهاية مرحلة ، فهل شهداء جباليا إلا بداية مرحلة متدحرجة بدأت ولم تنته إلى الآن .

 

إن شهداءنا شهداء أمة تقدر قيمة الشهداء ، فقد كان استشهادهم حدثاً عالمياً تصدر الأخبار والأحداث مما يؤكد على عالمية القضية ، إن الأغلبية الصامتة تنفست ببركة هذه الدماء وقالت كلمتها ، سواء من خلال أعداد المشاركين في الجنازة أو من خلال النفس الملتهب المنبعث من الصدور العامرة بالإيمان .

 

إن هشاشة كل الأنظمة التي تحاول طمأنة أمريكا و(إسرائيل) والغرب أن كل شيء على ما يرام قد انكشفت وبشكل واضح أمام صبر وثبات هؤلاء العظام الذين خاضوا المعركة بصدورهم العارية طوال الليل أمام أعتى قوة عسكرية اجتاحت المكان .

 

تلك الأنظمة التي تزعجها جنازة ويخيفها بيت عزاء ويرعبها هتاف هنا وهناك ، هي لا تلوي على شيء وتخاف من كل شيء .

 

إن جنائز الشهداء لو كان هناك من يحب شعبه وأمته من وسائل توحيد الصفوف وإعادة النظر في كل منظومات الخطأ والخطر ، و بدلاً من القمع كان لا بد للعقلاء من دراسة هذه الظاهرة الغريبة والفريدة وهى ظاهرة الاندفاع تحو الآخرة وما يعقبها من تعاطف جماهيري في تحقيق التوافق الوطني التي تتحقق في الجنائز وبيوت العزاء وتنجح في تحقيق ولو نوع من التوافق الداخلي وتنفيس الشارع ، ولكن أنى يكون ذلك والبعض لا يحب أن يرى نفسه في المرآة .

 

تبرز هذه الأحداث هشاشة العدو المحتل وحقده على الإنسان حياً وميتاً ، هذا العدو الذي يستنفر جيشاً بالاته ومعداته ، والذي يملك القدرة على أن يمسح أحياء بكاملها في مقابل أن ينال من مجاهد واحد حتى لو مات كل الناس ، هذه العقلية تشير بوضوح إلى ضعف وخور وتراجع هذا العدو على كل الصعد .

 

إن الشهداء ظاهرة حية في حياة الأمم والشعوب الحية وعلامة بارزة في تاريخ تلك الشعوب ، وإشارة إلى كل من تعجل وصلى الجنازة على هذا الشعب أن نفسه ما يزال طويلاً رغم كل الكيد والمكر .

 

إن هذا الشعب عجيب ، وهؤلاء الشهداء عجيبو الأطوار ، فرجل في مقام نشأت يمتلك من مقومات حياة الرفاهية الكثير من الأمور ، فمن عائلة كريمة كعائلة الكرمي التي تربى في حضنها إلى بيت الزوجية الهنيء إلى الزوجة الصالحة ، وقد أشرف على التخرج من الجامعة . ونشأت الذي كان له وزنه في كل سجن ينزل فيه ، فقد تبوأ مناصب عدة على مستوى إدارة أسرى الحركة الإسلامية ، كان بإمكانه أن يبرز كشخصية سياسية أو اجتماعية جذابة وهو يمتلك المقومات التي تؤهله لذلك ، إلا أنه رمى كل ذلك وراء ظهره وسلك طريق ذات الشوكة وهو يعرف النتيجة والنهاية ، وكم من أمثال نشأت كان بإمكانهم أن يكونوا من كبار السياسيين أو من الشخصيات المؤثرة على أكثر من صعيد ، فسلكوا نفس طريق نشأت وكان باستشهادهم حياة أمة بعد أن اعتقد البعض أن الأمة ماتت والسلام.

 

إن الذين يصرون على المضي قدماً نحو الخطيئة وإلى الاستمرار على نفس النهج الخاطئ دون النظر إلى مصالح شعبهم بل إنهم يخافون من هذا الشعب ويناصبونه العداء سيجدون أنفسهم عما قريب لوحدهم دون أي رصيد سوى ما يجنونه من مكاسب ماديه هذا إن بقيت تلك المكاسب . لقد ذهب نشأت الكرمي إلى ربه راضياً مرضياً إلا أنه ترك وراءه رسالة واضحة لجميع الأطراف أن لعبة الدم لن ترهب الشعوب الحرة ولن يجني ثمارها المرة إلا الذين أشعلوا فتيلها . إن ظاهرة نشأت الكرمي ليست مجرد حدث عابر مر مرور الكرام وانتهى بل هى ظاهرة لها أوانها وزمانها إذا استمر ظلم هذا الشعب وتجاهل حقوقه ومطالبه فهل يعي البعض تلك الحقيقة..؟؟