السلطة بين التهويد والصهينة

نشر 13 أكتوبر 2010 | 08:54

في كتابه الهام الذي سماه (أمريكا طليعة الانحطاط) , وأصدره في طبعته الأولى سنة 99 عن دار الشروق /القاهرة, ينقل رجاء جارودي (صفحة 29) مبدأً هاماً من أهم المبادئ التلمودية ، والتي صاغها الحاخام زفاي يهود كوك, ينص على ( سوف يكمل الله الرب وعده بالخلاص لعودة المسيح إلى حكم الأرض بهذه المعجزة, بأن يضع كل هذه الأراضي تحت السيادة اليهودية.

 

إن كل أراضي العهد اليهودي أرض مقدسة, هناك توكيل إلهي بالحفاظ عليها, وضمها وتأسيس أكبر عدد ممكن من المستعمرات اليهودية عليها... أي تنازل عن هذه الأراضي يؤجل حكم الله على الأرض) , كما ينقل (صفحة 30) واحداً من أهم تعاليم كبير حاخامات أمريكا أليعازر مزراحى حيث يقول: ( من غير المسموح للشعب اليهودي بالتنازل عن أي شبر واحد من أراضي (إسرائيل) الكبرى للعرب, أو الدخول في أي مفاوضات على هذا الأساس).

 

ومن المؤكد أن عباس يدرك ذلك فهو صاحب الدراسات المعمقة في الفكر اليهودي والصهيوني, كما يدركه الفريق الفلسطيني المفاوض منذ اللحظة التي التقى فيها مع نظيره الإسرائيلي, الذي لم يغب إيمانه به والعمل له, بل كان أول مطلب له (ألا نبحث في الماضي) فوافق أحمد قريع على الفور؛ مما ترتب عليه شطب حق العودة لـ 78% من أرض فلسطين التاريخية.

 

ويهودية الدولة هو ما نص عليه وعد بلفور الذي أعطى أرض فلسطين لتكون وطناً قومياً لليهود, وهو ما جاء في قرار التقسيم 181 لسنة1947, الذي قضى بتقسيم فلسطين إلى دولتين: واحدة منهما لليهود, والثانية للعرب. وبالتالي فقد نجح اليهود من أن يجعلوا من اليهودية قومية مقابل القومية العربية... إذن فإن القانون الذي صادقت عليه الكنيست ليس جديداً, ولكن الجديد في الأمر أن يصبح قانوناً, وأن يطالب نتنياهو بموجبه عباس أن يعترف بيهودية الدولة مقابل تجميد الاستيطان لاستئناف المفاوضات, وأن يأتي في الوقت الذي يرمي به عباس نفسه على أعتاب البيت الأبيض, الذي هو في حقيقته النسخة الثانية للكنيست, وبمراجعة بسيطة لوثيقة إعلان الدولة التي تلاها بن غوريون على العالم ومن على منصة الكنيست في 14/5/48 نقرأ (الشعب اليهودي يبني وطنه القومي) ويصفه (بالدولة اليهودية), وأسماه (حق الشعب اليهودي في تأسيس دولته) و (في إقامة دولته).

 

وأما الشعب فهو (شعب يهودي سيد) وهو ما ظل زعماؤهم ينادون به ويعملون من أجل تكريسه, فيخوضون من أجل ذلك الحروب تلو الحروب؛ من بن غوريون مروراً بحاييم وايزمان , موشي شاريت, غولدا مائير, ليفي أشكوك, مناحيم بيجين, إسحق شامير, إسحق رابين, موسى دايان, إيجال ألون, شمعون بيريس, وتسيفي ليفني, آرييه شارون, ايهود أولمرت, ونتنياهو , ولا يستطيع باحث أن يدعي أن زعيماً أو حزباً كان أقل إيماناً من آخر بل هم سواء, ولكنه يستطيع أن يؤكد أن إيمان زعماء م.ت.ف (!!) قد تناقص تدريجياً حتى أوشك على التلاشي بأحقية الشعب الفلسطيني بكل أرضه, حتى تلك التي سقطت بين أيدي يهود سنة 67, وقد تنازلوا عما سقط منها سنة48 ؛ وأبدوا الاستعداد لمزيد من التنازل تحت عنوان التبادل؛ طمعاً في دولة!!

 

ولهذا حاربوا المنهج الإسلامي رغم أنه المنهج الوحيد الذي يتصادم مع العقيدة التلمودية التوراتية, والتي يكرسها حاخامات يهود الدنيا, وأقاموا عليها دولتهم!! وبذا فليس بمستهجن ما طلبه نتنياهو, ولكن المستهجن أن يزعم عباس وفريقه أنهم لا يدركونه, فبنوا عليه استراتيجية التفاوض, وشطبوا كل ما يقاومه ويتصدى له حتى ولو بمظاهرة أو مسيرة أو حجر, بل قمعوا كل شكل من أشكال المقاومة, ودخلوا في أزقة التفاوض المظلمة التي انتهت بجدار صلب (حسب صبري صيدم) .

 

ولا يمكن أن ينظر إلى فعلهم هذا نظرة بريئة؛ لأنها تتطابق مع بديهيات العقيدة التي نشأت عليها دولة (إسرائيل), وقد سبق وأن قلت: إنها الدولة الوحيدة على الأرض التي تحمل اسم نبي, كما أنها الدولة الوحيدة التي جعلت من ديانة يهود قومية, وبذلك فليس نتنياهو متعسفاً فيما يطالب به عباس, بل هو متصالح مع نفسه, ومنسجم مع الخط العام لأيديولوجية أسلافه من يمين أو يسار بصرف النظر عن عمل أو ليكود أو كاديما أو شاس, أو أرض (إسرائيل) أو .... فلا فرق أبداً بين شيمون بيريس وبين ليبرمان, كما أنه لا فرق بين مائير كاهانا وبين إيهود باراك...

 

وإذا جاءنا من يقول : إن فعل عباس وفريقه بريء من السوء. أقول: فليغير عباس من نهجه بعد أن ظهرت النوايا اليهودية جلية في أن تكون دولتهم خالصة لليهود دون سواهم من الأعراق والأجناس وأتباع الأديان, حتى وإن كانوا من حملة الجنسية واقعاً, أو راغبين في حملها مستقبلاً, إلا بعد أن يقسموا القسم على الإقرار بيهودية الدولة؛ الأمر الذي سيترتب عليه طرد من لا يؤدي القسم وهم الغالبية العظمى من الفلسطينيين الذين بقوا مستمسكين صامدين على (أرضهم !!) التي لم تعد بموجب هذا القانون أرضهم ... أقول: فليغير نهجه, ويطلق يد المقاومة وليكسر القيد الذي أحكمه على التيار الإسلامي, ويطلق الحريات حتى وإن اقتضى الأمر حل السلطة, وترك الساحة لمن يتصدى للمشروع اليهودي الذي لن يتوقف أبداً حتى وإن أهلك حرث المسلمين ونسلهم وهو غايته العظمى. وإلا فإن لكل فلسطيني أن يقول إن السلطة قد تصهينت, وأن له الحق في أن يقاومها مقاومة المحتلين الصهاينة.