عندما تتضح الصورة يقول مثلنا العربي ( لم يبق على العين قذى) هذا المثل اليوم ينطبق على واقعنا الفلسطيني في شقه المفاوض، وواقع النظام العربي الرسمي الذي أعماه كثرة القذى التي أغلقت عينه ولم يعد يرى الصورة على حقيقتها إلا من خلف هذه الطبقة السميكة من القذى الذي افسد عليه الرؤية فكانت النتيجة إخراج صورة مشوهة لا تعبر عن الواقع أو الحقيقة.
كانت قمة "سرت" الليبية، وكان قرار منح الإدارة الأمريكية شهراً إضافياً إلى جانب الشهور الأربعة التي منحت من قبل، قرار إن دل إنما يدل على أن الرؤية العربية ما زالت لا تبصر، وإن أبصرت لا يراد لها أن ترى الحقيقة، وكأن الشهور الأربعة لم تظهر المواقف الحقيقية للإدارة الأمريكية ، وأظهرت في نفس الوقت ضعفها وعدم قدرتها على اتخاذ القرار، وهم بهذا الشهر يعتقدون أن الإدارة الحالية ستكون قد مررت الانتخابات النصفية للكونجرس الأمريكي بعيداً عن ضغط اللوبي الصهيوني على إدارة أوباما، لربما بعد الانتخابات النصفية يكون أكثر حرية في اتخاذ الإجراءات الضاغطة على (إسرائيل) كي تجمد الاستيطان لمدة شهرين..
ولا نعتقد أن الإدارة الأمريكية قد تمارس أي نوع من الضغوط على (إسرائيل)؛ لأنها ترى أن من حق (إسرائيل) البناء في أراضيها كونها تؤمن أن المستوطنات الكبرى هي أرض (إسرائيل) ولها الحق في البناء فيها.
(إسرائيل) ، وإن قبلت بالموقف الأمريكي الهادف إلى تجميد بناء الاستيطان لمدة شهرين، في المناطق المختلف عليها هل هي ستكون ضمن حدود دولة (إسرائيل) أو خارجها؟ وقد تقبل (إسرائيل) بهذه الرؤية الأمريكية ، والتي سيقبل بها الطرف الفلسطيني الذي برر لقمة سرت اتخاذ قرار الشهر المهلة، وبذلك تكون أمريكا حققت هدفين هو استمرار التفاوض دون أن توقف (إسرائيل) الاستيطان بشكل كامل، وقبول المفاوض الفلسطيني بالطرح الأمريكي والاستمرار في المفاوضات وفق الرؤية الأمريكية للحل أو لتصفية القضية بالتعبير السياسي الصحيح.
الأخطر ما يجري على الأرض ، والذي قصدناه من وراء المثل العربي( لم يبق على العين قذى) هو هذا القرار العنصري ، والذي أقرته الحكومة (الإسرائيلية) وهو قانون الجنسية (الإسرائيلية)، الهادف إلى ترسيخ قانون يهودية الدولة، الذي تقره أمريكا، ووجد قبولاً لدى محمود عباس الذي أكد أن من حق (إسرائيل) أن تسمي دولتها بالتسمية التي تريد، بمعنى أن من حق (إسرائيل) أن تكون دولتها يهودية خالصة لليهود.
هذا القانون المؤدي إلى الإعلان الرسمي عن الدولة اليهودية العنصري المنافي للقوانين الدولية والإنسانية يشكل خطراً كبيراً على الفلسطينيين في الداخل الفلسطيني المحتل، وهو إنذار أولي لعملية (ترانسفير) هي الأكبر في العالم ، والتي ستجري بحق الفلسطينيين في فلسطين المحتلة، كذلك هذا القرار يشكل خطراً كبيراً على حق العودة للفلسطينيين الذين هجروا من ديارهم خلال فترة اغتصاب فلسطين عام 48، وهذا القانون العنصري يؤكد للمرة الألف أن (إسرائيل) لا تؤمن بالسلام ، وأنها دولة عنصرية قائمة على الإرهاب والكراهية.
وأمام ذلك يجب أن يرى العرب الذين وجهت لهم (إسرائيل) الصفعات تلو الصفعات، وهذا القانون لن يكون آخر الصفعات التي أسقطت عن غير رضا من العرب القذى عن العين ، إلا أنهم مع الأسف لا يريدون أن يروا الحقيقة ويغمضون عيونهم عنها رغم أنهم يختلسون النظرات بين الحين والآخر.
ما يجري يجب أن يعيد حالة الوعي إلى النظام العربي ويزيل الضباب عن صورة الحقيقة التي لا يريدون رؤيتها، وأن يدركوا أن الحل ليس في الموافقة على تصفية القضية الفلسطينية والاعتراف للاحتلال بشرعيته ومنح الغطاء لفريق فلسطيني يريد التنازل عن الحقوق والثوابت، إنما الحل بدعم حقوق الشعب الفلسطيني ومقاومته التي تحافظ على بقاء حقوقه وثوابته حتى تتغير المعادلة لصالح الحقوق الفلسطينية.
المطلوب من المقاومة الفلسطينية بكل أطيافها وأشكالها وأدواتها أن تعود على أرض الواقع؛ لأن هذه المقاومة رغم ضعفها وقلة إمكانياتها هي من سيوقف الصلف الإسرائيلي، ويوقف تمدد الاحتلال، ويحافظ على القضية من الانهيار، وإلى جانب المقاومة لابد أن يكون هناك حراك فلسطيني في كل الاتجاهات يساند حراكاً عربياً إسلامياً مسنداً من العالم الحر لمواجهة عنصرية الاحتلال وهمجيته وساديته التي باتت أكثر وضوحاً من عين الشمس.
المطلوب من العرب وقف حالة التراجع والانبطاح والاستسلام للإدارة الأمريكية ، والالتفات إلى عناصر القوة لديهم، ونبذ الخلافات والانقسامات، ووقف سياسة الدعم لفريق التفاوض الفلسطيني الذي لا يؤمن إلا بطريق التفاوض ، والتي لم تجد نفعاً على مدى سنوات طوال أقر هو بفشلها وأقر معه النظام العربي بعدم جدواها.