كنت جالساً في عزاء زوجة الدكتور باسم نعيم (أم نعيم) رحمها الله رحمة واسعة وأسكنها فسيح جناته، لتقديم واجب العزاء ، فهو أخ عزيز وصديق نحترمه ونقدره، وخلال مغادرتي لمكان العزاء، كان هناك حديث عن الموت بين بعض الحضور، فقلت لهم لو كنا ندرك ما بعد الموت لتغير حالنا.
ربما غضب البعض منهم مما قلت عندما فهموا أنني أقصد أمراً ما، أو أثيرت حولهم بعض الشبهات، حتى وإن كان الأمر كذلك فلا أعتقد أن ما قلته قد يثير الغضب أو الاستغراب، لأن الموت حق لا يمكن لأحد أن ينكره أو يعيقه أو يستعجله؛ لأنه قدر من الله يحدده كيفما يشاء ووقتما يشاء وبالشكل الذي يريد.
أمر الموت لا يد لنا فيه، ولا غضب منه، وإن كنا نشعر بألم الفراق على عزيز، لكن ما قصدت مما قلت هل نحن بالفعل ندرك ما بعد الموت؟ لو كنا ندرك ما بعد الموت بالفعل لكان هناك اختلاف كبير في حياتنا، ولكننا نغفل ما بعد الموت ولا نعمل لهذه اللحظة التي نراها كل يوم ونعايشها كل لحظة سواء عند فقدان قريب أو صديق أو عزيز، ينتابنا شعور تضامني ورهبة سرعان ما تغادرنا عند مغادرة المقبرة أو ترك بيت العزاء.
نحن بحاجة إلى تدبر الموت، ومعانيه، لأنه ليس هو النهاية ، و إنما هو مرحلة تنتقل بنا إلى مرحلة جديدة مغايرة ، مرحلة ما بعد الموت، مرحلة الحساب والعقاب، مرحلة الجنة والنار، مرحلة عرض الأعمال على الله، أليس جدير بنا أن نؤسس لهذه المرحلة من خلال أعمالنا.
ألا يعتقد الظالم أن المظلوم لا تُغمض عيناه، وعندما يفقد القدرة على رد الظلم عن نفسه، فيلجأ إلى الله عز وجل ليدعو في خلوة الليل على الظالم، الرسول عليه الصلاة والسلام يقول (اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافراً ، فإنه ليس دونها حجاب)، وفي الحديث القدسي المروي على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم(يرفع دعوة المظلوم إليه فوق الغمام ويقول لها : وعزتي وجلالي ، لأنصرك ولو بعد حين (، سأكتفي بهذا القدر من المقتبسات وهي كثيرة جداً، وقد يكون هذا الظالم قد تصدر للحديث عنها عبر الندوات وأخذ يصول ويجول، ونسي أن يقدم لنفسه النصيحة ويتلذذ بظلم ليس الكفار بل إخوانه وبني جلدته، طمعا في منصب أو حرصا على إرضاء المسؤولين أو طلبا لغنيمة.
القضية لا تنحصر في الظلم، بل هناك كثير من الأمور تورد المهالك، الغرور والكبرياء والتعامل السيئ، أيضاً لو أدرك مرتكبها عن قصد أو لمرض نفسي يعاني منه، ما بعد الموت لربما غير من سلوكه، قد تكون حاصلاً على درجة علمية أو منصب رفيع، هذا لا يمنحك أن تتكبر على خلق الله...
بل على العكس هو يجعلك أكثر تواضعاً لله، وأكثر إنسانية في التعامل مع بني البشر ممن لك عليهم سلطة أو من يقدمون لك مساعدة بحكم العمل أو الوظيفة أو لقمة العيش، نسيت نفسك في غمرة غرورك، وتناسيت أنك كنت يوماً مثلهم..
ويبدو أنك شعرت بدونية تسقطها على نفسك في تعاملك مع الآخرين وتريد أن يشعروا بنفس الدونية التي كنت عانيت منها، منطلق هذه الأفعال هو ضعف إيمان، وتذكر أن العمل لما بعد الموت يساعدك على العرض أمام الله بصفحات بيضاء نقية من الشوائب.
من يدرك ما بعد الموت يدرك أن هناك حساباً وعقاباً، ويعمل لذلك حباً لله، ورفقاً بنفسه، واحتراماً لغيره، ممن يزيد بعضهم عليه في ميزان الحق، ولكن لا حظوة لديه مثل حظوتك في الدنيا، لأمر نجهله وتجهله، الله يعلمه ، فلا تكن أخي الكريم بحظوتك متعالياً مغروراً ولا بمكانتك ظالماً، فإذا نامت عين المظلوم، فعين الله لا تنام.