كان (ليبرمان) في الجمعية العامة للأمم المتحدة واضحاً في خطابه ، بل لقد كان شديد الوضوح في الإفصاح عن الرؤية الإسرائيلية للمفاوضات.
ليبرمان (نعى) إلى العالم عملية التفاوض ، وأثار (مشكلة) لما تسميه دولة الاحتلال عرب 1948م ، تحت عنوان: تبادل الأراضي وسكانها معاً ، الأمر الذي يستهدف طرد الفلسطينيين الذين بقوا في أرضهم عام 1948م.
نتنياهو تنصل من الخطاب (كله أو بعضه) هذا ليس مهماً ، ولكنه لم يعاقب وزير خارجيته ، ولم يرفع في وجهه سماعة تلفون . والمثير للأعصاب أن وحدات استطلاع الرأي في دولة الاحتلال استطلعت رأي الإسرائيليين حول سؤال محدد يقول: ( هل خطاب ليبرمان في الأمم المتحدة يعزز أم يضعف ميلك لتأييده في الانتخابات القادمة؟) ، فكان جل الإجابات تؤيد ليبرمان ، وتعزز فرص انتخابه في المرات القادمة ؟!
في ضوء هذه الحالة اليمينية المتطرفة شديدة الوضوح ، ماذا يفيدنا أو يفيد عملية المفاوضات تنصل نتنياهو من الخطاب ؟! عملية التنصل لم تقدم موقفاً سياسياً بديلاً ، والخطاب عزز موقفاً سياسياً مخيفاً، فهل سيقود (ليبرمان) حكومة الاحتلال القادمة؟ في الدولة العبرية بعضهم يقول: (ربما) ، ويعللون ذلك بالوضوح الشديد لليبرمان ومعرفته للطريق التي يحقق من خلالها أهداف (إسرائيل)؟!
وفي سياق آخر، قدم (أبو حسين أوباما) الحائز على جائزة نوبل للسلام إغراءً منقطع النظير لنتنياهو للموافقة على تجميد الاستيطان ستين يوماً في ورقة الإغراء الذي وصفته الصحف العبرية أنه تجاوز عطاء بوش الابن الأكثر تعصباً لـ (إسرائيل) تضمن (سلاماً جديداً ، وتواجداً دائماً في غور الأردن ، وتبادل أراض).
نتنياهو بحسب المصادر العبرية رفض العرض السخي ، أو قل الأسخى ، لأسباب أيدلوجية لا علاقة لها بحجم مدة التجميد القصيرة (60 يوماً) هو فضل الأيديولوجيا على السياسة ، وعلى المقايضة ، وعلى الإغراء الأسخى ؟!
الأمر الذي يجعل نتنياهو على نفس الخط الذي يقف عليه ليبرمان ، ويجعلنا نقول إن عملية (التنصل) هي عملية لعب أدوار ، وإدارة صراع لا أكثر ؟!
خلاصة الأمر، أن نتنياهو على إطلاع كامل على الساحة الأمريكية وهو قارئ جيد جداً لأفكار أوباما ، وهو يعلم أن أوباما يحتاج لـ (إسرائيل) كما أن (إسرائيل) تحتاج إليه ، لذا فلا طلاق بائن إن رفض الإغراء ، وإن ما وعد به أوباما في ورقة التطمينات آتٍ لا محالة على كل حال بغض النظر عن المفاوضات نفسها .
إنه بإزاء هذه (الحالة المتبادلة) للطرفين ، ومعرفة كل منها للآخر ، فإن الحل يكون بتوجيه الضغط على الطرف الفلسطيني من خلال قيادات مهمة من النظام العربي . أوباما ونتنياهو يعرفان أن الطرف العربي سيأتي إلى المفاوضات بدون تجميد الاستيطان ، وإن ما قررته اللجنة التنفيذية ، وما يمكن أن تقرر الرباعية العربية ، لا يزيد عن صوت إعلامي عالي النبرة بغرض الاستهلاك المحلي .
إن قراءة نتنياهو الجيدة (لأوباما) و(لمحمود عباس) و(للرباعية العربية) هو الذي حدد موقفه الصادم برفض التجميد ، مع أن (60 يوماً) لا قيمة لها مع العمر الطويل للاستيطان؟!!