بين متناقضين

نشر 05 أكتوبر 2010 | 09:37

سأركز حديثي في هذه العجالة على ثلاثة من المتناقضات، والتي تحمل في مجملها مفاهيم وثقافات يجب علينا أن نضعها في الاهتمام، خاصة ونحن نتحدث عن مصالحة وشيكة بين فتح وحماس، والناتج من هذه المتناقضات الثلاثة يطرح سؤالاً، هل هذه المفاهيم السائدة وهذه الثقافة سوف تحكمنا بعد المصالحة؟.

 

قد يرى البعض أن المتناقضات في واقعنا المعاش كثيرة، وأنا أعلم ذلك وربما أعايشه عن كثب، ولكن لضيق الوقت والمساحة سنتحدث عن ثلاثة منها؛ لأن لها دلالات سياسية ودلالات وطنية، ودلالات دينية جديرة بالاهتمام، وحري بنا أن نتوقف أمامها لأنها باتت تشكل ثقافة البعض والتي يحاول فرضها على الجميع.

 

أول متناقضين ما حدث في بيت لحم، المدينة الفلسطينية العريقة، وما أن تذكر بيت لحم يذكر المسيح "عليه السلام" وأمه مريم العذراء، وفي نفس الوقت يذكر المبعدون من كنيسة المهد من مدينة بيت لحم وكيف أصبح حالهم؛ حالهم هذا يعطينا صورة لطبيعة اليهود، وطبيعة الإسرائيليين، لأن الإبعاد سواء إلى غزة أو الخارج كان محدوداً بزمن، وكان الإبعاد وانقضى الزمن، ولا يزال الإبعاد شاهداً على نقض اليهود لمواثيقهم وتعهداتهم.

 

وكما يقولون الشيء بالشيء يذكر، وطالما أن متناقضنا الأول حدث في بيت لحم هو ما جعلنا نتحدث عما سبق، المتناقضان هما ما حدث في بيت لحم فجر أمس من قيام يهود ( المستوطنين) بإحراق مسجد جنوب مدينة بيت لحم في الوقت الذي نستقبل فيه المجرم رئيس هيئة الأركان الصهيوني أشكنازي في بيت لحم، استقبال الضيوف المكرمين المعززين، حيث التقته قيادات الأجهزة الأمنية ( الفلسطينية )، أليس هذا تناقضاً صارخاً يستوجب أن نتوقف عنده، نستقبل مجرمين يهود بالقبلات والأحضان والموائد الشهية، ويرد علينا يهود بإحراق مساجدنا وتدنيس مقدساتنا...

 

وهذه ليست المرة الأولى فسبق أن تم إحراق العديد من المساجد في نابلس وغيرها، والاعتداء على القرآن الكريم، ولم يتوقف سيل الجرائم وفي نفس الوقت لم تتوقف جرائم التعاون الأمني في المقابل، والسؤال هل بعد المصالحة سيبقى الحال على ما هو عليه؟

 

المتناقض الثاني: أول أمس استشهد مواطن من مدينة الخليل، وقبله في مدينة القدس بعد ملاحقة من قوات الاحتلال الصهيوني، وإعدام ميداني بعد القبض عليه وإطلاق النار من مسافة صفر، والهدف هو القتل من أجل القتل، بغض النظر عن المبررات التي يطرحها الاحتلال الصهيوني وهي جميعاً مبررات كاذبة وواهية ولا تنطلي إلا على المغفلين الذين يلوذون بالصمت ولا يحركون ساكنا، وكان بالإمكان أن يتم إلقاء القبض عليهم واعتقالهم لا قتلهم، في المقابل يتسلل يهود( مستوطنون وجنود ) إلى الضفة الغربية مدنها وقراها...

 

ماذا نفعل بهم، رغم أنهم لا يحملون إلا الحقد والإرهاب، على الفور نقوم بالجلوس معهم وحفظهم وتقديم كافة الخدمات التي تريحهم وتطمئنهم رغم أن بعضهم قد يحمل سلاحا مع أحقاده التي يحمل، أو يضمر سوءا لنا ولأهلنا، كما نشاهد كل يوم من إحراق للزيتون والمزروعات، ثم نحمله على أكف الراحة ونركبه السيارات الفارهة، ونتواصل مع الاحتلال كي نوصله إلى بر الأمان، قتل لنا وأمان لهم، هذا مفهوم سائد، فهل سيسود بعد المصالحة ويكون منهجا للتعامل؟.

 

المتناقض الثالث الذي سأختم به حديثي هو متناقض داخلي، هناك حديث محموم عن المصالحة وإمكانية تحققها، وأن العقبات الكئود حل بعضها وما بقي إلا القليل، وفي نفس الوقت جنون الاعتقال والتعذيب والصلب حتى البعض تحدث عن تعليق المعتقلين كالذبائح بعد سلخها، والمعتقل يعلّق بعد سلخه، في سجون حركة فتح في الضفة الغربية، ثم يتحدثون عن مصالحة، ألا يجعلنا هذا نقف مذهولين..

 

أليس هذا تناقض صارخ ، ويشكك في النوايا ويثبت أن الهدف من المصالحة هو للتغطية على المفاوضات المراد منها تصفية القضية الفلسطينية؟

 

سأكتفي بهذا القدر من المتناقضات الثلاثة، وسأترك للقارئ أن يفكر قليلاً فيما طرحت ليصل بنفسه إلى النتيجة التي يراها تتناسب مع حال هذه المتناقضات، ويستشرف المستقبل ويتيقن أن هذا يمكن معه أن تستقيم أي مصالحة، أليس الأجدر العمل على حل المتناقضات قبل الحديث عن التفاؤل والتشاؤم والقرب والبعد.