حين خرج ماجد الزبون إلى مهمته المقدسة عام 1991، وبجواره محمد عطية فريج، لم نكن مشغولين بهتافات الجنون في مباريات كرة القدم، ولم يكن فيروس الجهوية والإقليمية قد وصل ما وصل إليه. كانت فلسطين هي البوصلة، وللنهر كانت ضفتان لا تتخلى إحداهما عن الأخرى. كان العراق فينا وكنا فيه لأن الغزاة جاؤوه وحاصروه بوصفه واحداً من عناوين الأمة الكبيرة، وليس لأنه يمتلك أسلحة دمار شامل كما زعموا.
لم يكن ماجد الزبون شاباً فاشلاً عندما قرر مواجهة المحتلين، ومعه زميله محمد عطية فريج. كان طالباً جامعياً ينتظره مستقبل مشرق. صحيح أنه كان قادماً من "قفقفا" حيث الفقر والبساطة، لكنه الفقر الذي يدفع نحو العزة والعطاء لأنه مدجج بالقناعة والرضا.
من بيت طيب عامر بالإيمان من عشائر (بني حسن) خرج ماجد، وفي المساجد تعلم أن الجهاد ذروة سنام الإسلام، وكذلك زميله محمد عطية فريج، وعلى إيقاع أناشيد العزة والجهاد نشأ البطلان، فقررا نيل شرف الشهادة هناك على الضفة الأخرى للنهر، حيث لا جدل على البوصلة ولا العنوان ولا الهدف.
خرج ماجد الزبون حاملاً روحه على كفه. خرج يطلب الشهادة كما طلبها كثيرون، فمن جامعة اليرموك التي خرج منها تخرّج كبار كتبت فلسطين أسماءهم بحروف من نور، لعل ماجد يعرفهم حق المعرفة.
خرج منها بطلا حماس: عبد الله البرغوثي صاحب الـ 67 مؤبداً في سجون الاحتلال وعباس السيد صاحب الـ 36 مؤبداً أيضاً، كما خرج منها سرب من الأسرى والشهداء، تماماً كما خرج من الجامعة الأردنية، وربما جامعات أخرى.
ماجد الزبون ومحمد عطية فريج كانا بطلين رائعين، وصلا هدفهما وقاتلا حتى الرمق الأخير، ولولا أنهما أثخنا في العدو لما عاقبهما بتلك الطريقة الحقيرة حيث أخفى نبأ استشهادهما كل هذه السنوات، تحديداً منذ عام 91، قبل أن يعترف بذلك قبل أيام فقط.
لقد فعل ذلك حتى يحرمهما فرصة تقديم النموذج، فكان أن أخفى نبأ استشهادهما كل هذه المدة، لكنه كشف الحقيقة متأخراً، فيما ندرك أن البطولة هي في خوض المعركة والصمود فيها أياً تكن النتيجة، لأن النتيجة تتأثر بميزان القوى وليس بالشجاعة وحدها، تلك التي كان البطلين يملكان منها ما يوزع على كتائب من الصهاينة.
بعد ما يقرب من عشرين عاماً يكشف الصهاينة نبأ استشهاد ماجد الزبون، بينما يواصلان التكتم على خبر أخيه الآخر، مع أن الأرجح أنه استشهد أيضاً، ولولا ما يراه البعض من ضرورة التأكد من أن الجثمان يعود إليه (إلى ماجد)، لقلنا دعوه هناك مرتاحاً في أرض الضفة الأخرى للنهر عنواناً للوحدة التي لا تنفصم عراها.
دعوه يقول للموتورين والمتعصبين في الجانبين إن القضية واحدة، وإن الدم واحد والمصير كذلك، فلتخرس الألسن والأقلام التي تشكك في هذه الحقيقة.
سلام على ماجد الزبون، وعلى محمد عطية فريج، وعلى سائر الشهداء إلى يوم الدين. سلام. سلام.